حين تتحول بعض الجمعيات من واجهة للعمل المدني إلى بوابة للاغتناء على حساب دافعي الضرائب
من كان بالأمس قبل ربع قرن ” بصاندالة مقطعة” يبحث عن قوت يومه، ولا يملك حتى ثمن تذكرة حافلة، أصبح اليوم يتنقل بسيارة فارهة، ويتحدث بلغة الأسياد أصحاب الشقق والأرصدة ومن كان لا يملك عنواناً قاراً، صار عالما مستبصرا واستاذا كبيرا وسيدا يتصرف وكأنه أحد أعيان القرية ووجهائها. وبين الأمس واليوم حكاية تستحق أن تروى، لا لأنها قصة نجاح اقتصادي خارق، بل لأنها تطرح سؤالاً مزعجاً، هل أصبح التطبيل والنفاق و ” الوساطة والتبركيك” أقصر طريق للاستفادة من الريع والانتقال من الفقر إلى الثراء، ومن الهامش إلى الواجهة..؟ لا نتحدث هنا عن كل من تحسنت أوضاعهم، ولا عن الجمعيات الجادة التي تعمل بإخلاص لخدمة المواطنين، وإنما عن بعض الوجوه التي تستيقظ فجأة من سباتها الجمعوي كلما فتحت أبواب المنح والدعم، فيتحول روادها بين عشية وضحاها إلى خبراء في التنمية، وأبطال في العمل الاجتماعي والجمعوي، ومناضلين لا يشق لهم غبار..! أما حصيلة مشاريعهم، فغالباً ما تظل حبيسة الملفات والتقارير والصور التذكارية مع العامل والباشا القائد، بينما تظل الأسئلة معلقة حول أوجه صرف الأموال التي استفادوا منها.
إن محاربة الفساد لا تكون بالشعارات الرنانة والخطب الموسمية، ولا بتعليق لافتات النزاهة على أبواب المؤسسات، بينما تفتح نوافذ الريع أمام الرعاة المحظوظين والمقربين. فالفساد لا يسكن بعض المجالس المنتخبة وحدها، وثبت وجوده، بل وجد له منافذ أخرى داخل بعض الجمعيات والتنظيمات التي تتخذ من العمل المدني ستاراً للحصول على المنح والامتيازات، وتتحول من قوة اقتراحية ورقابية إلى أبواق للتطبيل لمن يمنحها المال.
والطامة الكبرى حين يصبح بعض المسؤولين عن تدبير الشأن المحلي أكثر سخاء مع جمعيات لا تتضح حصيلتها التنموية، بينما تعاني المدينة من نقص في كل شيء، وتنتظر المشاريع الاجتماعية دورها في طابور طويل من الوعود. هنا يحق للمواطن أن يسأل، ما هي المعايير المعتمدة لتوزيع المنح..؟ ومن يراقب تنفيذ المشاريع..؟ وهل تربط الاستفادة من الدعم بالنتائج الفعلية أم بدرجة القرب من الرئيس و أصحاب القرار..؟ أما بعض الجمعيات التي لا يظهر نشاطها إلا عند اقتراب موعد توزيع المنح، فإنها تستحق أن تخضع ملفاتها للفحص الدقيق. فالجمعية ليست اسماً على ورق، ولا ختما يستخرج عند الحاجة، ولا مشروعاً عائلياً يدار بمنطق الزوج والزوجة والأبناء والأقارب والأصدقاء. العمل الجمعوي مسؤولية والتزام، وليس حيلة إدارية لاقتناص الأموال العمومية، ولا وسيلة لتلميع صورة هذا الرئيس وذاك المسؤول أو شراء الولاءات.
وإذا كانت بعض هذه التنظيمات لا تتوفر على مقر واضح أو أنشطة ميدانية لا تتناسب مع حجم الدعم الذي تحصل عليه، فإن السؤال لا يتعلق بمظهر أصحابها أو ماضيهم الاجتماعي، بل بالوثائق والإنجازات والحسابات. فالفقر ليس تهمة، والثراء ليس جريمة، لكن استغلال المال العام، جريمة لا ينبغي أن تحمي مرتكبيها صفة جمعوية ولا علاقة سياسية ولا صداقة نافذة. والمفارقة أن الدولة تخصص اعتمادات مهمة لدعم الأحزاب والنقابات ووسائل الإعلام والجمعيات، كل وفق الأطر القانونية المنظمة له، بهدف تقوية المؤسسات والمساهمة في التنمية وتوسيع المشاركة المجتمعية. لكن الدعم العمومي يفقد معناه حين يتحول إلى غاية في حد ذاته، وحين يصبح المستفيد حارساً للصمت بدل أن يكون شريكاً في الإصلاح، وحين تتحول بعض المنابر والأصوات إلى أدوات لتلميع المسؤولين، عوض مساءلتهم ومراقبة أدائهم. وهنا تبرز مسؤولية الإعلام الجاد، الذي لا ينبغي أن يبيع استقلاليته مقابل الإعلانات أو الامتيازات أو أبواب الدعم. فالمهمة الصحفية ليست توزيع صكوك البراءة على أصحاب النفوذ، ولا تحويل كل مسؤول ممول إلى بطل تنموي، بل طرح الأسئلة، وفحص الوقائع، والتمييز بين الاتهام المثبت والادعاء الذي يحتاج إلى دليل. أما من اختار الصمت عن الاختلالات مقابل المنافع، فقد تخلى عن جزء من الدور الرقابي الذي ينتظره منه المجتمع. لقد أفرزت سنوات من التساهل، حيثما وجد، ثقافة خطيرة قوامها أن المال ” السايب” بلا رقيب يعلم السرقة، وأن المنحة حق مكتسب، وأن الصداقة مع المسؤول قد تغني عن المشروع الجاد، وأن بعض الملفات يمكن أن تحقق على الورق ما تعجز عنه مشاريع حقيقية على أرض الواقع. وهكذا يصبح الريع مدرسة لتخريج المستفيدين، وتتحول الوطنية عند البعض إلى خطاب للاستهلاك، بينما تقاس المواقف بمقدار ما تدره من امتيازات. والأخطر من ذلك أن تتحول المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، أو غيرها من آليات الدعم العمومي، إلى مجرد قناة لتوزيع الأموال من دون تقييم صارم للأثر والنتائج. فالمطلوب ليس منع الدعم عن الجمعيات، وإنما حماية الدعم من سوء الاستعمال، وضمان وصوله إلى المبادرات التي تستحقه، وربط كل درهم عمومي بمشروع واضح، وفاتورة قابلة للتحقق، ونتيجة يمكن قياسها.
إن المطلوب اليوم هو إخضاع الجمعيات التي إستفادت والمستفيدة من المال العام للمحاسبة وللمراقبة القانونية والمالية، ومطالبتها بالتقارير التي يفرضها القانون، والتأكد من تنفيذ المشاريع التي التزمت بها، والتدقيق في الوثائق والفواتير عند وجود مؤشرات جدية على الاختلال. وإذا كشفت عمليات الافتحاص عن اختلاس أو تزوير أو تحويل غير مشروع للأموال، وجب ترتيب الآثار القانونية ومحاسبة كل من ثبتت مسؤوليته، دون انتقائية أو تصفية حسابات. فلا يعقل أن يبقى المواطن البسيط مطالباً بأداء الضرائب واحترام القانون، بينما يشعر بأن بعض المستفيدين من المال العام يعيشون فوق المساءلة. ولا يجوز أن تترك الشكايات والادعاءات، متى كانت جدية ومدعمة بالقرائن، من دون فحص موضوعي يحدد المسؤوليات ويكشف الحقيقة. أما الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل من يتعامل مع المال العام باعتباره غنيمة، فهي واضحة، المنحة ليست إرثاً عائلياً، والجمعية ليست شركة لتوزيع الولاءات، والسيارة الفاخرة ليست دليلاً على السيادة و النجاح الجمعوي، كما أن كثرة الصور مع المسؤولين لا تعوض غياب الإنجازات.
وفي الختام، فإن مكافحة الفساد لا تحتاج إلى مزيد من الخطب بقدر ما تحتاج إلى شفافية في توزيع الدعم، ومراقبة مستقلة، ومحاسبة فعلية، وإعلام لا يساوم على ضميره. فمن حق كل جمعية جادة وغير مشبوه رئيسها أن تتلقى الدعم، ومن حق كل مواطن أن يعرف أين صرفت أمواله، ومن واجب المؤسسات أن تضع حداً لكل استغلال غير مشروع للمال العام. وفي ترونس بريس، نؤكد أن معيارنا ليس من كان فقيراً فأصبح غنياً، ولا من يملك سيارة أو عقاراً، وإنما من أين جاء بالأموال، وهو عاطل عن العمل.؟ وكيف صرفت له المنح، مقابل ماذا وأين هي المشاريع التي وعد بها واخذ بناء عليها الدعم. فحين تتحدث الأرقام والوثائق، تسقط الأقنعة وحدها وحين تغيب المحاسبة، يصبح الريع أستاذاً، والفساد تلميذاً متفوقاً، والوطن هو من يدفع فاتورة الدرس.