في المغرب، لم يعد بعض الوزراء يكتفون بإرهاق جيوب المواطنين وإحباط آمالهم، بل صاروا ينافسونهم في جريمة أخرى لا تقل فداحة، اغتيال اللغة العربية على مرأى ومسمع من المغاربة.
يا حسرة على لغة الضاد، لغة القرآن والمتنبي والجاحظ، حين تجد نفسها أمام بعض المسؤولين الذين يتعاملون مع قواعدها كما يتعامل هواة السياسة مع الوعود الانتخابية، لا ضوابط، لا انسجام، ولا احترام لقواعد النحو.! يقتلون الهمزة وينصبون ما يستحق الرفع، ويرفعون ما يستحق النصب، ويجرّون ما لا يقبل الجر، ثم يمضون في طريقهم بوجوه الواثقين، وكأنهم فتحوا الأندلس، ناسين أنهم أعلنوا الحرب على المبتدأ والخبر واغتصبوا اللغة..! ولعل تلاوة البرنامج الحكومي من طرف رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، تقدم مناسبة لفتح هذا النقاش حول سلامة اللغة العربية في الخطاب الرسمي، فحين يعرض برنامج يفترض أن يرسم ملامح السياسات العمومية ومصير ملايين المواطنين، فإن احترام لغة الخطاب ليس ترفاً ثقافياً، بل جزء من هيبة المؤسسة وجودة التواصل مع الشعب. ولعل زلة لسان رئيسة الحكومة، حين قالت 2061 بدل 2026، تقدم مناسبة لفتح هذا النقاش حول سلامة اللغة العربية في الخطاب الرسمي؛ فقد سبق لنبيل بنعبد الله، حين كان وزيراً، أن نطق بكلمة «الدعارة» بدل «الدعيرة»، في واقعة كشفت أن الارتباك اللغوي ليس حكراً على مسؤول بعينه. وحين يُعرض برنامج يفترض أن يرسم ملامح السياسات العمومية ومصير ملايين المواطنين، فإن احترام لغة الخطاب ليس ترفاً ثقافياً، بل جزء من هيبة المؤسسة وجودة التواصل مع الشعب. شخصيا كصخفي لا أطالب الوزراء بأن يتحولوا جميعاً إلى سيبويه، ولا أن يحمل كل واحد منهم معجماً تحت إبطه قبل دخول قاعة البرلمان، ولكنني أطلب على الأقل، بألا يحولوا المنابر الرسمية إلى مختبر للتهجي و لتجارب نحوية فاشلة. ! فليس من المقبول أن تُصرف الملايين على إعداد البرامج الحكومية، بينما يبدو أحياناً أن مراجعة النصوص لغوياً آخر ما يخطر ببال أصحابها.
المفارقة الساخرة أن بعضهم يريد إصلاح التعليم، و لم يصلح حتى فمه وهو في حاجة إلى درس في اللغة و الإعراب ويتحدث عن تخليق الحياة العامة، فيما يحتاج خطابه إلى تخليصه من أخطاء النحو والصرف. !
إن اللغة العربية ليست ضحية التشكيل الناقص وحده، بل ضحية الاستهانة بها أيضاً. والوزير الذي يخطئ في النطق قد يعذر إن كان الخطأ عابراً، أما حين يصبح الارتباك اللغوي سمة متكررة في الخطاب الرسمي، فإن السؤال يصبح مشروعاً، أين التركيز والتدقيق اللغوي. ؟ وأين مستشارو التواصل..؟ وأين المؤسسات التي يفترض أن تضمن الحد الأدنى من سلامة الخطاب العمومي..؟
إننا لا نحاكم الأشخاص على زلة لسان ك ” الدعارة” بدل الدعيرة و ك 2061 بدل 2026، بل ننتقد ثقافة الاستسهال التي تجعل من المنصب الوزاري شهادة في كل شيء، حتى في اللغة التي لا يتقن صاحب المنصب أبسط قواعدها.
وفي انتظار أن تستقيم الجمل في أفواه بعض الوزراء، نتمنى أن تستقيم الأوضاع في البلاد، فالمواطن لم يحتمل حكومة تتعثر لغوياً وهي تتلو برنامجها، ثم تطلب منه أن يثق في قدرتها على تجاوز تعثرات الواقع..!
رحمة بالعربية يا سادة..! لا تقتلوا الهمزة والقاف واتركوا المبتدأ مرفوعاً، والخبر في مكانه، والمنصوب منصوباً فالمغاربة سئموا من أميتكم ومن كثرة ما يُرفع من شعارات، وما يُنصب من وعود، وما يُجرّ عليهم من خيبات ومصائب. أما لغة الضاد، فلها رب يحميها، ولها أهل يعرفون قدرها ولن تسقط قواعدها لأن بعض أصحاب الكراسي بالحكومة والبرلمان قرروا، عن غير قصد أو عن جهل أو ضعف في التكوين والكلخ المبين، أن يجعلوا من الإعراب مسرحاً للكوميديا السياسية.