في وطننا المغرب، يبدو أن قطاع التعمير لم يعد يقتصر على تشييد العمارات والطرق، بل أصبح ورشة مفتوحة لبناء الشبهات، وصبّ الإسمنت فوق ملفات تضارب المصالح، وتزيين واجهات الفساد بطبقة رقيقة من الشعارات البراقة. فكلما رفعت الوزارة راية “الحكامة والشفافية“، خرجت من تحتها رخص تثير الريبة، وصفقات تستفز الرأي العام، وقرارات تجعل المواطن يتساءل، هل قانون التعمير يُطبق على الجميع، أم أنه مجرد ديكور يُعلّق على جدران الإدارات..؟ ومن مراكش، حيث يفترض أن تُحترم ضوابط العمران، تتقاطر الأخبار عن رخص مثيرة للجدل، ومشاريع تغيّر جلدها بين ليلة وضحاها، وأراضٍ تتحول بقدرة قادر من فلاحية إلى إسمنتية، وكأن قوانين التعمير تُكتب بقلم الرصاص ثم تُمحى عند أول إشارة من أصحاب النفوذ.
والمفارقة الساخرة أن بعض من يرفعون اليوم لواء محاربة الفساد، تلاحقهم بدورهم أسئلة ثقيلة حول تضارب المصالح واستغلال السلطة، بينما يواصل المواطن مشاهدة هذا العرض العبثي من المدرجات، منتظراً نهاية لا تأتي. أما قطاع التعمير، الذي كان يفترض أن يبني المدن، فقد وجد نفسه يبني جبالاً من علامات الاستفهام، في مسلسل يتغير فيه الممثلون، لكن السيناريو يبقى هو نفسه، رخص مشبوهة، ونفوذ، ومحاسبة غائبة.

يبدو لي أن بعض المسؤولين اكتشفوا معادلة سحرية جديدة، محاربة الفساد في النهار، ومطالبة المواطنين بالتصفيق للنزاهة في الليل، بينما تظل الأسئلة المزعجة معلقة في الهواء بلا أجوبة مقنعة. فكلما طُرح ملف عقاري أو تعميري يلامس مصالح شخصيات نافذة، يخرج علينا جيش من المبررين والخبراء وحملة المباخر ليؤكدوا أن كل شيء قانوني، وأن الصدفة وحدها هي التي جعلت القرارات العمومية تمر بمحاذاة المصالح الخاصة. وفي ملف تسلطانت بمراكش، لا يهم المواطنين حجم الدراسات والوثائق بقدر ما يهمهم سؤال بسيط وواضح، كيف يمكن إقناع الرأي العام بأن الوزير السابق بنعبد الله وفاطمة الزهراء التي تشرف اليوم على قطاع التعمير لا يوجد حولها أي مجال للشك أو التساؤل عندما يتعلق الأمر بملفات عقارية ضخمة…؟ فالحكامة الجيدة لا تكتفي باحترام القانون، بل تقتضي أيضاً تجنب كل ما من شأنه أن يخلق شبهة أو يضعف الثقة في المؤسسات. وإذا كان البعض يسارع إلى تقديم شهادات البراءة السياسية، فإن ما يستحق التنويه حقاً هو يقظة رجال السلطة واللجان التقنية الذين تشبثوا بمنطق المصلحة العامة، واقروا شروط مهمة تجلت في خمسة ملايين كضريبة لفائدة جماعة تسلطانت وتكليف اصحاب المشروع بايواء ساكنة الدواوير المجاورة، حتى لا تتحول مشاريع الاستثمار إلى مجرد آلة لرفع الأرباح الخاصة دون أي أثر تنموي على السكان المحليين.

لقد سئم المغاربة من سماع الخطب الرنانة حول النزاهة والشفافية، بينما تستمر ظاهرة تداخل السياسة بالعقار والمال والأعمال في إثارة الجدل. فالمطلوب اليوم ليس مزيداً من البلاغات التبريرية، بل ترسيخ قاعدة بسيطة، المسؤول العمومي يجب أن يكون بعيداً عن كل ما قد يثير الشكوك، لأن الثقة تُبنى بالوضوح الكامل لا بالشعارات، وبالمسافة الفاصلة بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، لا بمحاولات إقناع الناس بأن الأمر مجرد صدفة أخرى من صدف سياسة الأحزاب المتعفنة التي لا تنتهي.









