في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل، وأصبحت فيه السياسة مهنة من لا مهنة له، والصحافة ملجأ كل من عجز عن إثبات نفسه في أي مجال آخر، لم يعد مستغرباً أن نستيقظ كل صباح على “خبير استراتيجي” جديد، و”محلل سياسي” من العيار الثقيل، و”فاعل جمعوي” لا يعرف من العمل الجمعوي سوى التقاط الصور، و”صحفي” لم يقرأ في حياته ميثاقاً مهنياً ولا كتب خبراً واحداً وفق أبسط قواعد التحرير.
لقد تخلّطت الأمور فعلاً بـ”كراع حمار“، وأصبحت الساحة تعج بالمتطفلين الذين قفزوا فوق التاريخ والنضال والكفاءة، ليجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها مستشارين وبرلمانيين ومنتخبين وأساتذة مزورين يوزعون الدروس والحكم على الناس. فلا رصيد نضالي يحملونه، ولا مشروع سياسي يدافعون عنه، ولا تجربة تؤهلهم للحديث باسم المواطنين، سوى القدرة العجيبة على تبديل الأقنعة والتلون حسب اتجاه الريح.
أصبح كل من هبّ ودبّ يتحدث عن الديمقراطية وهو لا يمارسها، وعن النزاهة وهو أول المستفيدين من الريع، وعن الوطنية وهو لا يرى في الوطن سوى سلّم للوصول إلى الامتيازات والمناصب. إنها مرحلة بلغت فيها الرداءة درجة جعلت المُتردّية وما عاف السبع تتصدر المشهد، بينما يُقصى أصحاب الكفاءة والخبرة والتاريخ إلى مقاعد المتفرجين، وكأن الوطن دخل موسماً مفتوحاً لبيع الألقاب السياسية والإعلامية بالتقسيط المريح.

في مشهد سياسي وإعلامي مزيف يزداد ضبابية يوماً بعد يوم، لم يعد المواطن يعرف الصالح من الطالح و أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الوهم. فالإعلام الذي يفترض فيه أن يكون مرآة للواقع، تحول في كثير من الأحيان إلى ملمع وصانع للصور الجميلة والقصص المعلبة، يزين الإخفاقات ويغلف الأزمات بورق الإنجازات اللامع، حتى أصبح نقل الحقيقة الكاملة فعلاً نادراً يحتاج إلى البحث والتنقيب أكثر مما يحتاج إلى متابعة الأخبار. الأحزاب السياسية، التي يفترض فيها أن تكون مدارس للسياسة ولديمقراطية ولمختبرات الأفكار والحلول، وجدت نفسها في عهد محمد السادس عالقة في دوامة ” التشلهيب” و المصالح الضيقة والصراعات الموسمية. أحزاب الأغلبية تتحدث بلغة الإنجازات حتى عندما تتراكم الأزمات، وتقدم الوعود ذاتها في كل محطة انتخابية وكأن الزمن توقف عند أول حملة انتخابية. وفي المقابل، تمارس أحزاب المعارضة هوايتها المفضلة في انتقاد كل شيء، ليس بالضرورة دفاعاً عن المواطن أو اقتناعاً ببديل أفضل، بل لأن الطريق إلى السلطة يمر دائماً عبر بوابة معارضة من يحكم.
المفارقة الساخرة أن الأحزاب المتصارعة اليوم تتبادل الاتهامات نفسها التي كانت تتبادل المواقع بالأمس. فالحزب الذي يصف الحكومة بالفشل كان بالأمس يدافع عن قرارات مشابهة عندما كان في السلطة، والحزب الذي يتهم المعارضة بالمزايدة كان يمارس المزايدة ذاتها عندما كان يجلس على مقاعدها. تتغير المواقع وتبقى الخطابات، وتتبدل الوجوه بينما يظل المواطن شاهداً على إعادة عرض المسرحية نفسها بممثلين مختلفين.
وفي خضم هذا الضجيج الإعلامي والسياسي، يبقى الشعب الحلقة الأضعف. فهو من يدفع ثمن الوعود التي لا تتحقق، وثمن الصراعات التي لا تنتهي، وثمن الخطابات التي تستهلك الكلمات أكثر مما تنتج الحلول. المواطن يسمع عن الانتصارات وهو يواجه صعوبات الحياة اليومية، ويستمع إلى معارك السياسيين حول السلطة بينما ينتظر حلولاً لمشاكله الحقيقية، إن الأزمة الحقيقية ليست في وجود أغلبية أو معارضة، ولا في اختلاف الآراء والمواقف، بل في غياب الصدق مع الناس. فعندما يصبح الكذب وسيلة للتسويق السياسي، والنفاق أداة للحفاظ على المواقع، وتتحول الحقيقة إلى ضحية دائمة بين الإعلام والسياسة، فإن الخاسر الوحيد يظل ذلك المواطن البسيط الذي لا يطلب سوى شيء واحد ، أن يُعامل باعتباره صاحب الوطن لا مجرد صوت و رقم يُستدعى كلما اقترب موعد الانتخابات.










