هل الوكالة الحضرية ببنسليمان تحولت إلى محطة إجبارية للعرقلة والتعطيل والانتظار..؟؟

هناوي الهادي10 يونيو 2026Last Update :
هل الوكالة الحضرية ببنسليمان تحولت إلى محطة إجبارية للعرقلة والتعطيل والانتظار..؟؟

كنت أستعد لكتابة مادة صحفية لتسليط الضوء على نشاط المقاولين والمستثمرين بإقليم بنسليمان، الذين يضخون أموالهم في الاقتصاد المحلي، ويوفرون مناصب الشغل للشباب، ويؤدون الضرائب، ويساهمون في تحريك عجلة التنمية داخل الشركات والمقالع والمؤسسات الإنتاجية. كنت أبحث عن قصص النجاح التي تستحق أن تُروى، عن رجال ونساء اختاروا الاستثمار بدل المضاربة، والعمل بدل الشكوى.

لكن وقبل أن يكتمل المقال، قادتني شهادات أحد المستثمرين إلى عنوان آخر أكثر إلحاحا وأشد وجعا وهو الوكالة الحضرية.
كيف يمكن الحديث عن الاستثمار دون الحديث عن العراقيل التي تخنقه..؟ وكيف يمكن الاحتفاء بمن يخلق الثروة، بينما يقضي جزءا من وقته بين المكاتب المغلقة والملفات المؤجلة والملاحظات الغامضة..؟ بل كيف يمكن إقناع المستثمر بالمغامرة بأمواله في إقليم يرفع شعار تشجيع الاستثمار، في الوقت الذي يشتكي فيه عدد من المستثمرين من إدارة يفترض أن تكون شريكا في التنمية، فإذا بها تتحول في نظرهم إلى محطة إجبارية للتعطيل والانتظار…؟
الحقيقة أن المستثمر لا يطلب امتيازات استثنائية ولا معاملة خاصة، بل يطلب فقط إدارة تؤدي وظيفتها. وعندما يصبح العثور على مسؤول للإجابة عن سؤال أبسط من الحصول على جواب حول مصير ملف استثماري، فإن الخلل لا يكون في المستثمر ولا في المشروع، بل في منظومة إدارية يبدو أنها نسيت أن الزمن الاقتصادي لا ينتظر أحدا. لهذا، قررت تأجيل الحديث عن المستثمرين الذين يصنعون الثروة، لأتحدث أولا عن الجهة التي يتهمها كثير منهم بأنها تضع العصي في عجلاتها. لأن أكبر خدمة يمكن تقديمها للاستثمار ليس “التطبيل” وكتابة مقالات المديح، بل كشف العراقيل التي تدفع بعض اصحاب الشركات الى الانتحار واليأس و الإفلاس .

 

الوكالة الحضرية ببنسليمان. عندما تتحول الإدارة إلى مشكلة معقدة ولغز إداري

في الدول التي تحترم نفسها، تُحدث الإدارات العمومية لتسهيل حياة المستثمرين وتشجيع التنمية وخلق الثروة. أما في بعض الإدارات التي ابتُلي بها إقليم بنسليمان كالوكالة الحضرية والتشغيل والتعاون الوطني والصحة والتعليم، فيبدو أن المهمة انقلبت رأسا على عقب، فتحولت من مؤسسات لخدمة المواطن إلى متاهات بيروقراطية لا يعرف الداخل إليها متى يخرج منها، ولا بأي جواب يعود. فالوكالة الحضرية، التي يفترض أن تكون قاطرة للتنمية العمرانية وشريكا للمستثمرين والمنعشين العقاريين، أصبحت في نظر كثير من المرتفقين عنوانا للتعقيد والتأجيل و”سير واجي غدا“. ملفات البناء تتجول بين المكاتب أكثر مما تتجول بين مراحل الإنجاز، والرخص تنتظر من يوقظها من سباتها الإداري الطويل، بينما المستثمر يجد نفسه أمام أبواب مغلقة و مسؤولين لا يظهرون إلا في الصور الرسمية والاجتماعات البروتوكولية. المفارقة الساخرة أن الإقليم يرفع شعارات تشجيع الاستثمار ومحاربة البناء العشوائي، في الوقت الذي يشتكي فيه المستثمرون والمقاولون من عراقيل إدارية تجعل الحصول على المعلومة أصعب أحيانا من الحصول على الرخصة نفسها. فالمرتفق الذي يلج مقر الملحقة لا يبحث عن امتياز أو معاملة خاصة، بل فقط عن مخاطب يشرح له أسباب رفض ملفه أو يرشده إلى كيفية تصحيح الملاحظات المسجلة عليه. لكن يبدو أن هذه الخدمة البسيطة تحولت إلى رفاهية إدارية نادرة. وإذا كان المسؤولون السابقون قد تركوا وراءهم إرثا ثقيلا من البطء والتعقيدات، فإن بعض الوجوه الجديدة لم تنجح بدورها في إقناع المتتبعين بأن زمن الانتظار قد انتهى. فالمواطن لا يهمه اسم المدير ولا صفته، بقدر ما يهمه أن يجد إدارة حاضرة ومتجاوبة وقادرة على اتخاذ القرار. أما أن تظل الملفات معلقة بين الغياب المتكرر للمسؤولين وكثرة الاجتماعات وتبادل الاختصاصات، فذلك لا ينتج سوى مزيد من الاحتقان وتعطيل عجلة الاقتصاد المحلي.
والأخطر من كل ذلك أن قطاع التعمير ليس مجرد أوراق وأختام إدارية، بل هو شريان اقتصادي يرتبط بمئات فرص الشغل وملايين الدراهم من الاستثمارات. وعندما يتعطل ملف بناء واحد، فإن وراءه مقاولة تنتظر، وعمالا يترقبون، ورأسمالا مجمدا، ومشروعا مؤجلا إلى أجل غير معلوم.
اليوم، لم يعد المطلوب مجرد ترقيعات ظرفية أو خطابات مطمئنة، بل مراجعة حقيقية لطريقة تدبير هذا المرفق العمومي، وفتح افتحاص شامل لمسار الملفات والرخص والقرارات، حتى يعرف الجميع أين تكمن الاختلالات ومن يتحمل مسؤوليتها. لأن التنمية لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم المراسلات الإدارية، بل بسرعة وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمستثمرين.
ويبقى السؤال الذي نطرحه بترونس بريس، هل وُجدت الوكالة الحضرية لخدمة الاستثمار وتشجيعه، أم لتحويل المستثمر إلى عداء محترف بين المكاتب والإدارات..؟ هذا هو السؤال الذي ينتظر الرأي العام المحلي جوابا عمليا عنه، لا بلاغا إداريا جديدا يضاف إلى أرشيف الوعود المؤجلة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News