لا تسألوا لماذا ماتت السياسة ولا من قتلها … اسألوا من باعها..؟ ومن قبض الثمن..؟

هناوي الهادي12 أغسطس 2026Last Update :
لا تسألوا لماذا ماتت السياسة ولا من قتلها … اسألوا من باعها..؟ ومن قبض الثمن..؟

سماسرة الانتخابات يبيعون الأحزاب في سوق الترحال, حين يصبح الفساد الحزبي استقطاباً..!

لم يعد بعض أمناء الأحزاب في حاجة إلى برامج انتخابية ولا إلى أفكار جديدة ولا حتى إلى إقناع المواطنين بجدوى مشاريعهم؛ فقد اكتشفوا وصفة أكثر «اقتصاداً في الجهد»: اتركوا المناضلين يبنون الأحزاب، ونحن نتكفل بسرقة الجاهزين منهم عشية الانتخابات!
هكذا، وبكل وقاحة سياسية، تحولت بعض القيادات الحزبية إلى ما يشبه سماسرة بورصة انتخابية؛ عينها ليست على المواطن ولا على البرنامج، وإنما على مرشح الحزب المنافس من اختلف معه..؟ من غضب من أمينه العام..؟ من انتهت صلاحيته داخل تنظيمه..؟ ومن يمكن إغراؤه بتزكية أو موقع أو وعد انتخابي ..؟
والأطرف أن عملية «الخطف» تقدم للرأي العام باعتبارها فتحاً سياسياً عظيماً واستقطاباً نوعياً للكفاءات..! وكأن الحزب اكتشف أستاذاً جامعياً أو عالماً في الاقتصاد، بينما الحقيقة في بعض الحالات لا تتجاوز نقل برلماني أو منتخب من خانة حزبية إلى خانة أخرى، مع تغيير اللون والشعار والصورة… أما القناعة السياسية، فتظل في عطلة مفتوحة..!
ما يقع ليس تجديداً للنخب، بل تسمين لظاهرة الترحال السياسي. فكيف يمكن لحزب أن يقنع المغاربة بأن الانتماء السياسي التزام ومشروع ومبادئ، بينما أمينه العام يفتح ذراعيه لكل من يقرر مغادرة حزب منافس، خصوصاً إذا كان يحمل معه رصيداً انتخابياً..؟

هنا بالضبط تبدأ الكوميديا السوداء الأمين العام الذي كان بالأمس يندد بالترحال السياسي يصبح اليوم راعياً له عندما يكون «المرحّل» متجهاً نحوه..! وإذا انتقل الرجل إلى الخصم، تحولت المبادئ فجأة إلى بيانات تنديد، وأصبح الترحال «خيانة سياسية» و«انتهازية» و«شراء للذمم»..!
أما إذا دخل من الباب نفسه إلى الحزب، فتنقلب المعجزة يصبح «استقطاباً نوعياً» و«تعزيزاً للصفوف» و«إضافة نوعية للمشهد السياسي». !
يا سلام على المبادئ… تتغير فقط حسب اتجاه سيارة المرشح..!
المشكلة ليست في أن يغير السياسي حزبه؛ فالإنسان قد يغير قناعته، وقد يختلف مع قيادته، وقد يكتشف أنه أخطأ الاختيار. المشكلة في أن يتحول تغيير الحزب إلى حرفة موسمية مرتبطة بالترشيحات، وأن يصبح بعض الأمناء أنفسهم جزءاً من منظومة تشجع هذا السلوك بدل محاربته. وحين يصبح المرشح أقوى من الحزب، والاسم أهم من المشروع، والمال الانتخابي أقوى من الإيديولوجيا، فإننا لا نكون أمام حياة حزبية سليمة، بل أمام سوق سياسية يديرها سماسرة التزكيات.
الأحزاب التي تحترم نفسها لا تحتاج إلى سرقة مناضلي خصومها. بل تصنع مناضليها، وتربي نخبها، وتستقطب المواطنين بالأفكار والبرامج. أما الحزب الذي لا يجد ما يقدمه للناس سوى «فلان انتقل إلينا من الحزب الفلاني»، فعليه أن يجيب بصراحة أين المشروع..؟ وأين المدرسة الحزبية. ؟ وأين المناضلون الذين صنعتهم المؤسسة..؟
لقد صار المشهد مضحكاً إلى درجة أن المواطن قد يحتاج، قبل أن يصوت، إلى دليل سياحي للحركة الحزبية هذا كان هنا، ثم ذهب إلى هناك، ثم عاد من هناك، ثم وجدناه في لائحة حزب ثالث..! والخاسر في هذه المهزلة ليس الحزب الذي فقد هذا المناضل أو ذاك، وإنما السياسة نفسها. لأن استمرار هذه التجارة يقتل الثقة، ويحول الانتخابات من منافسة بين مشاريع إلى مزاد مفتوح على المرشحين والأصوات.
أما سماسرة الانتخابات، فليواصلوا عملهم فالانتخابات قادمة، وسوق الترحال مفتوح، و«الميزان» و«الحمامة» و«السنبلة» وغيرها من الألوان السياسية تبدو مستعدة لاستقبال كل عابر سبيل انتخابي يحمل معه حقيبة أصوات..! وعندما تصبح التزكية أهم من القناعة، والمرشح أهم من الحزب، والاستقطاب أهم من البرنامج، فلا تسألوا بعد ذلك لماذا ماتت السياسة… اسألوا فقط من باعها..؟ ومن قبض الثمن..؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News