ماهذا الانفلات والتسيب والعبث والمسخ الذي طال الصحافة مهنة المتاعب .. من يحمي الصحافة..؟؟

لم تكن الصحافة المغربية، قبل عقود، مجرد مهنة تدر دخلاً أو بطاقة تعلق على الصدر، بل كانت مدرسة في الفكر، ومنبراً للرأي، وسلطة معنوية يهابها المسؤول ويحترمها المواطن. كان الوصول إلى صفة “صحفي” يمر عبر سنوات من التكوين والتجربة والاحتكاك بالميدان، وكانت الكلمة تُوزن بميزان المسؤولية قبل أن تُنشر.
أما اليوم، فقد تغير المشهد إلى حد يدعو إلى القلق أكثر مما يدعو إلى الدهشة. اختلطت المفاهيم، وضاعت الحدود بين الإعلام والمحتوى العابر، وبين الصحفي وصانع الضجيج، وبين المؤسسة الإعلامية والموقع الذي لا يتجاوز وجوده صفحة على شبكة الإنترنت. وأصبح كل من امتلك هاتفاً ذكياً أو أنشأ صفحة إلكترونية يعلن نفسه صحفياً، ومحللاً، وكاتباً، بل وخبيراً في كل شيء.
الأخطر من ذلك أن المشهد الإعلامي لم يعد يعاني فقط من تضخم عدد المنابر، بل من تضخم الألقاب أيضاً. جمعيات، ونقابات، وفيدراليات، وكونفدراليات، واتحادات واندية، اصبحنا نسمع شبكات الشرق الاوسط وشمال افريقيا وأندية البحر واندية الصحراء واندية السماء كلها مشاريع تجارية يحلم اصحابها بالوصول إلى القمة.. أي قمة هم وحدهم صناعها يعلمون، تكاثرت المؤسسات والمنظمات بشكل لافت، حتى أصبح من الصعب معرفة من هو الصحفي الحقيقي ومن يمثل الصحافة فعلاً، ومن يمثل نفسه فقط. كثرة الهياكل لم تنتج قوة للمهنة، بل أفرزت تشتتاً غير مسبوق، وأصبح كل تيار يبحث عن شرعية خاصة به، بينما بقيت المهنة نفسها تدفع الثمن.
ولا يمكن الحديث عن هذا الواقع دون مساءلة السياسات العمومية المكلفة بقطاع الاتصال والإعلام. فالصحافة ليست قطاعاً هامشياً يمكن تدبيره بمنطق الارتجال، بل هي ركيزة من ركائز الدولة الحديثة. وحين يغيب الإصلاح الحقيقي، وتُترك المهنة تواجه أزماتها دون رؤية واضحة، فإن النتيجة الطبيعية هي مزيد من الفوضى وفقدان الثقة.
إن الأزمة التي تعيشها الصحافة المغربية اليوم ليست أزمة صحفيين فقط، بل أزمة مؤسسة مجتمعية فقدت جزءاً من هيبتها. فحين يصبح الاستثناء هو المهنية، ويصبح الالتزام بالأخلاقيات محل سخرية عند البعض، ويغدو البحث عن الإثارة أسرع طريق إلى الشهرة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو، من يحمي هذه المهنة النبيلة..؟ ومن يعيد إليها مكانتها التي بنتها أجيال من الرواد بالتضحية والنزاهة والكفاءة…؟
إن إنقاذ الصحافة لا يكون بكثرة الشعارات ولا بتعدد النقابات، بل بإعادة الاعتبار للتكوين الجاد، وبفرض احترام أخلاقيات المهنة، وبإرساء مؤسسات قوية ومستقلة، وبالتمييز الواضح بين الصحفي المهني ومن يستغل الإعلام لتحقيق مصالح شخصية. فالصحافة التي لا يحميها القانون والأخلاق، تتحول تدريجياً إلى ضجيج يفقد المجتمع إحدى أهم سلطاته الرقابية.
لقد آن الأوان لوقفة وطنية صادقة تعيد للصحافة المغربية هيبتها، لأن الأوطان التي تضعف فيها الصحافة المهنية، يضعف فيها الحق في المعرفة، وتخسر فيها الحقيقة أولى معاركها.










