لم يعد النقاش داخل حزب الأصالة والمعاصرة مرتبطاً فقط بإعادة ترتيب هياكله، بل بات يتجه نحو سؤال أكثر حساسية يتعلق بمن يمتلك مفاتيح المرحلة المقبلة ومن سيقود الحزب في مواجهة الاستحقاقات الانتخابية القادمة. وبين صعود فوزي لقجع إلى المكتب السياسي واستعادة إلياس العماري لحضوره في النقاش السياسي، تبرز ملامح تحوّل قد يعيد رسم خريطة النفوذ داخل «البام»، ويفتح الباب أمام نهاية تدريجية لصيغة القيادة الجماعية وبداية مرحلة جديدة عنوانها البحث عن قيادة أكثر وضوحاً وقدرة على خوض المنافسة السياسية المقبلة.

افتتاحية الأسبوع
يشهد حزب الأصالة والمعاصرة مرحلة سياسية وتنظيمية جديدة، تتجاوز في دلالاتها حدود التعديل الداخلي، لتطرح أسئلة أوسع حول مستقبل القيادة ومراكز القرار داخل الحزب، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وتصاعد الرهان على موقع متقدم في المشهد السياسي.
وفي صلب هذا التحول، يبرز دخول فوزي لقجع إلى المكتب السياسي، بالتزامن مع عودة اسم إلياس العماري إلى دائرة النقاش، باعتبار أن الرجل يعد من أبرز الشخصيات التي طبعت مرحلة تأسيس الحزب وتطوره التنظيمي والسياسي. ولا يعني استحضار العماري بالضرورة وجود عودة رسمية إلى هياكل الحزب، بقدر ما يعكس استمرار حضور تجربته وشبكاته في النقاش المتعلق بمستقبل “البام”. وتأتي هذه التطورات في سياق يبدو فيه نموذج القيادة الجماعية، الذي ارتبط بمرحلة فاطمة الزهراء المنصوري، أمام اختبار جديد. فقد ارتبط هذا النموذج بظرفية تنظيمية وسياسية هدفت إلى ضمان الاستمرارية وتجاوز تداعيات صراعات داخلية، قبل أن تبدأ الحاجة إلى صيغة أكثر وضوحاً في إدارة الحزب وبلورة توجهاته السياسية. ومع ارتفاع سقف طموحات الأصالة والمعاصرة، تبدو مسألة القيادة أكثر ارتباطاً بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فالمنافسة على مراتب متقدمة، وربما على الصدارة، تتطلب جهازاً تنظيمياً متماسكاً وقيادة قادرة على توحيد مختلف مكونات الحزب وتوسيع حضوره الانتخابي والسياسي. ومن هذه الزاوية، يكتسب إدماج فوزي لقجع داخل المكتب السياسي أهمية خاصة، بالنظر إلى المكانة التي راكمها الرجل في المجالين المؤسساتي والرياضي، فضلاً عن حضوره في الحياة العامة. غير أن تقييم موقعه المستقبلي داخل الحزب سيظل مرتبطاً بتطورات المرحلة ونتائج الاستحقاقات المقبلة، وليس فقط بالقرار التنظيمي الحالي. في المقابل، فإن استحضار تجربة إلياس العماري يندرج ضمن قراءة أوسع لمسار الحزب، خصوصاً أن مرحلة التأسيس تركت وراءها شبكة من العلاقات والخبرات السياسية والتنظيمية التي لا تختفي بالضرورة بمجرد مغادرة أصحابها للمواقع الرسمية. لذلك فإن عودة اسم العماري إلى النقاش يمكن فهمها باعتبارها استعادة لمرحلة سياسية مؤثرة أكثر من كونها إعلاناً عن عودة تنظيمية مؤكدة ولا تتوفر في المعطيات المتداولة مؤشرات موثقة تسمح بالجزم بوجود ارتباط مباشر بين حضور لقجع داخل المكتب السياسي واستعادة العماري لموقعه في النقاش السياسي. ومن ثم، فإن أي قراءة تربط الرجلين ضمن ترتيبات محددة تظل في نطاق التحليل السياسي لجهاز ترونس بريس الذي يحتاج إلى أدلة ومعطيات دقيقة قبل الانتقال به إلى مستوى الاستنتاج. مع ذلك فإن تزامن بروز الاسمين يسلط الضوء على سؤال جوهري يتعلق بقدرة الحزب على الجمع بين الخبرات التي ارتبطت بمراحله السابقة والوجوه التي يمكن أن تشكل ملامح مستقبله. وهي معادلة تفرض على “البام” إعادة التفكير في بنيته القيادية والتنظيمية بما ينسجم مع طموحاته الانتخابية.
ومن المنتظر أن تشكل نتائج الانتخابات المقبلة عاملاً حاسماً في تحديد اتجاهات إعادة الهيكلة داخل الحزب. فإذا تمكن من تحقيق نتائج وازنة، فإن النقاش حول القيادة والهياكل سيأخذ زخماً أكبر، وقد يفتح الباب أمام إعادة توزيع المسؤوليات واختيار صيغة تنظيمية أكثر انسجاماً مع المرحلة الجديدة. وعليه فإن التحولات التي يعرفها حزب الأصالة والمعاصرة لا تبدو مجرد إجراءات داخلية منفصلة، بل جزءاً من مسار لإعادة البناتحديد موقع الحزب وموازين القوى داخله. وبين قيادة تدير المرحلة الراهنة، ووجوه جديدة تدخل تدريجياً إلى دائرة القرار، وأسماء من مرحلة التأسيس تعود إلى واجهة التحليل، يتجه “البام” نحو اختبار سياسي وتنظيمي قد يعيد رسم خريطته القيادية خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، سيبقى موقع فوزي لقجع من أبرز الملفات التي تستحق المتابعة، في حين سيظل حضور إلياس العماري مرتبطاً بمدى استمرار تأثير الإرث التنظيمي والسياسي للمرحلة التي ارتبط بها. أما الحسم النهائي في شكل القيادة المقبلة، فسيتوقف على نتائج الانتخابات وعلى التوازنات التي ستفرزها المرحلة السياسية الجديدة.








