الله سبحانه وتعالى خلقنا طبقات وليس مقامات كل إنسان سواء كان وزيرا او مسؤولا كبير أو أي كان هو في البداية والنهاية يبقى خادم ومستخدم وليس هو الكل في الكل; كما يحلم ويعتقد بعض السياسيين المغرورين اليوم. الانسان لايقاس بالمال ولا يقيم بالصفة وإنما بالاخلاق والإخلاص للملك وللعرش و للوطن بغيرة وبضمير حي وإنسانية.
حين نتحدث اليوم عن مملكة مغربية مستقرة، وعن مؤسسات ترابية وإدارية يقودها ولاة وعمال وكتاب عامون وأطر راكموا تجربة طويلة في تدبير الشأن العام، فمن الإنصاف ألا نختزل التاريخ في لحظته الراهنة، وألا نتعامل مع الدولة وكأنها بدأت من الصفر.
وفي هذا السياق، يستحق الراحل إدريس البصري، وزير الداخلية القوي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، أن يستحضر بقراءة هادئة تتجاوز الأحكام الجاهزة، وتضع الرجل في سياقه التاريخي والسياسي والإداري. فقد كان رحمه الله واحداً من أبرز رجال الدولة الذين ارتبط اسمهم لعقود بتدبير الأمن والاستقرار وبناء الإدارة الترابية، وهي مهام لم تكن سهلة في مراحل دقيقة من تاريخ المملكة.
قد يختلف بعض المغاربة حول الرجل وتجربته، وقد تكون هناك مواقف وقراءات متعددة لعهده، لكن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يحجب حقيقة أخرى هي أن الدولة تحتاج إلى رجال دولة، وإلى أطر قوية، وإلى إدارة ترابية تعرف تضاريس البلاد وتفاصيلها وتتحمل مسؤولية تدبيرها في أصعب الظروف. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن المدرسة التي ساهمت وزارة الداخلية، خلال تلك المرحلة، في تكوينها وترسيخها. فالكثير من الولاة والعمال والكتاب العامين والباشوات والقواد وكبار المسؤولين الذين تحملوا مسؤوليات جسيمة في مختلف جهات المملكة، ينتمون إلى أجيال إدارية تشكلت داخل منظومة ترابية كان لها تصور واضح لمفهوم الدولة وهيبتها واستمراريتها.
واليوم، حين ننظر إلى المغرب باعتباره بلداً مستقراً، قادراً على إنجاز أوراش كبرى، وحاضراً بقوة في محيطه الإقليمي والدولي، فإن من يحرسون هذه الاستمرارية في الميدان هم، في جزء كبير منهم، رجال الإدارة الترابية والمؤسسات الأمنية والإدارية، من ولاة وعمال وكتاب عامين وباشوات ورؤساء دوائر و قواد وأطر مختلفة، يعملون بعيداً عن الأضواء أكثر مما يعملون أمام الكاميرات ولا ينبغي، في خضم الاحتفاء بالحاضر، أن ننسى الماضي ورجاله، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمنطقة الشاوية ورديغة التي ارتبطت بها عائلة المرحوم إدريس البصري ارتباطاً خاصاً، والتي استفادت خلال مراحل مختلفة من حضور الرجل ونفوذه ومنجزاته ورؤيته للمنطقة.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس هل كان إدريس البصري رجلاً قوياً.. ؟ فهذا أمر لا يختلف حوله اثنان، وإنما ماذا لو حمل كل مسؤول حكومي، بالجدية والقوة نفسها، همّ المنطقة التي ينحدر منها، دون أن يتحول ذلك إلى محاباة أو زبونية.. ؟
تخيلوا معي فقط لو أن كل وزير، وكل مسؤول كبير أو رئيس مجلس جهوي أو إقليمي أو جماعي، جعل من مسقط رأسه ورشاً للتنمية الحقيقية، واستثمر علاقاته وخبرته وغيرته إن كانت ونفوذه الإداري لخدمة المنطقة في إطار القانون والمصلحة العامة، لا لخدمة مصلحته ومصالح الأشخاص والأحزاب. كم من منطقة مغربية كانت ستتغير ملامحها. . ؟ وكم من قرية كانت ستتحول إلى مدينة. ؟ وكم من شابة وشاب كان سيجد فرصة للعمل بالقرب من أسرته. ؟ ربما كانت المملكة ستقترب فعلاً من أن تصبح جنة على الأرض، لا لأن الوزراء سيحولون مناطقهم إلى إقطاعيات شخصية، وإنما لأن كل مسؤول سيشعر بأن عليه ديناً وطنيا و أخلاقياً وتنموياً تجاه الأرض التي ولد فيها، مع الحفاظ على قاعدة واحدة وهي المغرب أولاً، والمصلحة العامة فوق كل اعتبار. شهادتي كصحفي عاش في عهد السلطان محمد الخامس والملك الحسن الثاني طيب الله ثراهما ويواصل العيش ما تبقى من عمره في عهد وارث العرش جلالة الملك محمد السادس نصره الله إنصافالعظامء الأمس البعيد و كلامي عن الراحل إدريس البصري طيب الله ثراه اليوم لا يعني إعادة كتابة الماضي والنبش فيه، وإنما يعني الاعتراف بأن بناء الدولة عمل تراكمي، وأن رجالاً مضوا تركوا وراءهم مؤسسات وأجيالاً من الأطر التي ما زالت تحمل المسؤولية إلى اليوم.

والدولة التي تحترم تاريخها لا تمحو رجالها من الذاكرة لمجرد اختلاف بعض أعداء النظام أو بعض المغرر بهم حولهم؛ بل تقرأ تجربتهم بكل ما لها وما عليها، وتستخلص منها الدروس. على العموم رحم الله إدريس البصري وطيب ثراه، ورحم كل رجال الدولة اىشرفاء منهم الذين خدموا المغرب في مراحل مختلفة، وحفظ الله جلالة الملك والمملكة المغربية، برجالها ومؤسساتها واستقرارها، وجعل خدمة الوطن فوق الحسابات الشخصية والحزبية والانتخابية.









