ٱما ٱن لزمن الضمائر المستترة رواد “السياحة السياسية” أن ينتهي ..؟؟

هناوي الهادي1 يونيو 2026Last Update :
ٱما ٱن لزمن الضمائر المستترة رواد “السياحة السياسية” أن ينتهي ..؟؟

 تعلمت في دروس اللغة العربية،  أن هناك ضمائر ظاهرة وضمائر مستترة. شخصيا كإعلامي اكتشفت قبل عقود نوعًا من الضمائر المستترة ، جل هذا النوع اصيب بمرض الكذب المعدي والنفاق ، نوع فاقد للمصداقية لا يظهر في الكلام ولا في الأفعال ولا حتى في الرد على المكالمات والرسائل. ضمائر غائبة أحيانا عن الأنظار، لا تسمع رنين الهاتف، ولا تقرأ الرسائل، ولا تعرف طريقها إلى الدوائر إلا في المناسبات الرسمية والتقاط الصور التذكارية.

هذه الضمائر المستترة من نوع خاص؛ فهي ليست مجرد ضمائر نحوية يقدرها العقل ويستنتجها المتلقي، بل مسؤولون بالمجالس ومنتخبون يختفون عن المواطنين كما يختفي الفاعل في بعض الجمل. فإذا اتصل بهم مواطن من دائرتهم لقضاء مصلحة يجدهم في حكم المجهول، وإذا بعث رسالة وجد نفسه يخاطب الفراغ والعلبة الصوتية، وإذا بحث عنهم في أوقات الأزمات اكتشف أنهم أتقنوا فن الانقراض و الغياب أكثر مما أتقنوا فن التدبير.

وإذا كان النحويون يقولون إن الضمير المستتر تقديره “هو”، فإن بعض الضمائر المستترة بإقليم بنسليمان تقديرها “هو غير متاح”، و”هو خارج التغطية”، و”هو لا يجيب”. أما المواطن المسكين، فيبقى يبحث عن أثر لهذه الضمائر الغائبة، فلا يجد سوى الوعود المؤجلة وأرقام الهواتف التي لا ترد والرسائل المكتوبة والصوتية التي تنام في أرشيف النسيان.

افتتاحية الأسبوع

في بعض الأقاليم، لم تعد الانتخابات موعدًا لتجديد النخب بقدر ما أصبحت موسمًا لهجرة سياسية جماعية تشبه هجرة الطيور، مع فارق بسيط، الطيور تهاجر بحثًا عن الدفء، أما بعض المنتخبين فيرحلون بحثًا عن التزكية والمقعد والامتيازات حيثما وُجدت. كلما اقتربت الانتخابات، اختفت الألوان السياسية وذابت المبادئ كما يذوب الثلج تحت شمس الصيف، فتجد المنتخب نفسه الذي قضى خمس سنوات يمدح حزبًا معينًا ويقسم بأغلظ الأيمان أنه بيته السياسي الأبدي، يتحول بين ليلة وضحاها إلى مناضل “تاريخي” في حزب آخر لم يكن بالأمس يعرف عنه سوى الشعار المعلق على الواجهة.
المشهد ببنسليمان يكاد يكون نسخة كاريكاتورية من العبث السياسي. نفس الوجوه، نفس الأسماء، نفس الخطب، ونفس الوعود التي استهلكها المواطن حتى فقد القدرة على تصديقها. منتخبون فشلوا في تدبير الشأن العام، وعجزوا عن تقديم حصيلة محترمة، لكنهم يمتلكون موهبة خارقة في البقاء والنجاة وإعادة تدوير أنفسهم انتخابيًا أكثر من قدرة بعض المصانع على إعادة تدوير النفايات، المثير للسخرية أن بعض تجار السياسة حولوا التزكيات الحزبية إلى ما يشبه السلع المعروضة في الأسواق الموسمية. لا علاقة بالمبادئ، ولا بالبرامج، ولا بالتاريخ النضالي. يكفي أن يكون الجيب ممتلئًا أو أن تكون القدرة على جلب الأصوات متوفرة، حتى يصبح الوافد الجديد مناضلًا استثنائيًا وقائدًا سياسيًا بين عشية وضحاها، رغم أنه لم يقرأ يومًا سطرًا واحدًا من أدبيات الحزب الذي يحمل ألوانه.
أما الأحزاب، فقد تحولت لدى البعض إلى محطات عبور لا أكثر. يدخلها المنتخب من باب المصلحة ويغادرها من نافذة الحسابات الانتخابية. وحين يسأل المواطن عن المشروع السياسي أو المرجعية الفكرية أو البرنامج التنموي، يكون الجواب غالبًا صمتًا مطبقًا أو شعارات محفوظة لا تختلف عن عبارات الإشهار التجاري، في بنسليمان، يكفي أن تراقب المشهد لتكتشف حجم الأزمة. أحزاب فقدت بريقها ورجالاتها الحقيقيين، وأخرى تحولت إلى مجرد لافتات انتخابية يرفعها أشخاص لا يعرفون من تاريخها إلا الرمز الانتخابي الذي يضعونه على الملصقات يوم الحملة. بعضهم لا يربطه بالحزب سوى موعد إيداع الترشيحات، أما السياسة والفكر والنضال فمواضيع مؤجلة إلى إشعار آخر.
إن أخطر ما يهدد الديمقراطية ليس فقط ضعف المشاركة أو عزوف المواطنين، بل استمرار ثقافة الإفلات من المحاسبة، حيث يفشل المنتخب في ولاية، فيكافئ نفسه بالترشح لولاية أخرى، ويغادر حزبًا إلى آخر، ثم يعود ليقدم نفسه على أنه المنقذ المنتظر. وكأن ذاكرة المواطنين قصيرة إلى درجة تسمح بإعادة تسويق الفشل على أنه تجربة، وإعادة تغليف العجز على أنه كفاءة، لقد أصبح من حق المواطن أن يتساءل، هل نحن أمام انتخابات لاختيار ممثلين جدد، أم أمام مهرجان سنوي لإعادة عرض نفس الوجوه التي استنفدت كل صلاحياتها السياسية ولم يبق لها سوى هواية الترحال الحزبي واحتراف القفز بين الألوان والشعارات..؟

وبين موسم انتخابي وآخر، يواصل بعض المنتخبين الرحّل البحث عن الحزب الذي يوفر لهم مقعدًا أكثر راحة ومظلة أوسع للحماية، معتقدين أن تغيير الألوان الحزبية كفيل بمحو الماضي وطيّ ملفات الشبهات. غير أن وزارة الداخلية أعلنت منذ سنوات أن زمن “السياحة السياسية” بلا حسيب ولا رقيب قد انتهى، وأن أعين المراقبة تتابع خطوات المتنقلين بين الأحزاب كما يتابع الراعي قطيعه الشارد. فهل تكون انتخابات 2026 موعدًا لوضع حد نهائي لهذه الظاهرة، أم أن بعض محترفي الترحال سيكتشفون أخيرًا أن الطريق إلى صناديق الاقتراع لم يعد يمر عبر بوابة الإفلات من المحاسبة..؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News