عندما يصبح “المفعول به” ضحية وزير التعليم..! في الدول التي تحترم المدرسة، يُفترض أن يكون وزير التعليم أشبه بقاموس متحرك، يتحدث بثقة، يصوغ أفكاره بوضوح، ويقنع الرأي العام بأن المنظومة التربوية بين أيدٍ تعرف الفرق بين الفاعل والمفعول به.

وزير التعليم ليس الوحيد بل هناك وزراء وبرلمانيين في امتحان اغتصاب اللغة العربية. سقوط “الفاعل” و “المفعول به” و ضياع “المبتدأ” و “الخبر” تحت قبة البرلمان.

ما جرى تحت قبة البرلمان كان أقرب إلى حصة ارتجال فاشلة، بطلها وزير بدا وكأنه دخل القاعة دون “درس محروس” أو حتى جملة مفيدة جاهزة للاستعمال, السيد الوزير مع كامل احترامي لشخصه لم يكن يجيب عن أسئلة النواب بقدر ما كان يخوض معركة شرسة مع الكلمات نفسها جمل متعثرة، أفكار تتصادم في منتصف الطريق، وتلعثم جعل المتابعين يتساءلون إن كان الأمر يتعلق بوزير للتربية الوطنية أم بتلميذ فوجئ بسؤال خارج المقرر.
المثير للسخرية أن المسؤول الأول عن قطاع التعليم ظهر عاجزاً عن ترتيب عباراته، وكأن اللغة العربية أعلنت العصيان الإداري داخل فمه. فمن لا يستطيع تركيب جملة سليمة، كيف سيقنع المغاربة بأنه قادر على تركيب إصلاح تعليمي كامل..؟ ومن يفشل في تقديم “خبر” واضح، كيف سيدير ملفا عنوانه مستقبل أمة بأكملها..؟
سيبويه نفسه لو حضر تلك الجلسة لطلب الإعفاء من قواعد النحو، بعدما يكتشف أن زمن “المبتدأ والخبر” انتهى، وحلّ محله عهد “الارتباك والتبرير”. أما التلاميذ، فصار من حقهم أن يسألوا أساتذتهم, هل فعلاً التفوق الدراسي شرط للوصول إلى المناصب العليا، أم أن “فن التلعثم” أصبح كفاءة معترفاً بها داخل الإدارة…؟ المشهد لم يكن مضحكاً فقط، بل كان صادماً أيضاً. لأن الوزير حين يعجز عن التعبير، فإنه لا يحرج نفسه وحده، بل يحرج مؤسسة بأكملها، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن المدرسة التي يُفترض أن تصنع النخبة، أصبحت تُدار بعقلية “دبّر راسك” قبل الحديث عن الرقمنة، وإصلاح المناهج، ومدرسة الريادة، ربما يحتاج وزير التعليم أولاً إلى حصة دعم مستعجلة في اللغة والتواصل، حتى يتمكن على الأقل من إقناع المواطنين بأن من يقود سفينة التعليم يعرف كيف يقرأ خريطة الطريق… لا أن يغرق في أول جملة اعتراضية.









