
هناوي عبد الهادي قلم التحرير
في معارك الكرامة المهنية، لا يُقاس الرجال بعدد الكلمات التي يرددونها في المجالس، بل بمواقفهم عندما تدق ساعة التضحية. وعندما قرر عدول المغرب خوض معركة التوقف عن العمل دفاعًا عن مهنتهم، كان المنتظر أن تصطف الصفوف كالبنيان المرصوص. لكن، ويا للمفارقة، ظهر بين الصفوف من اختاروا موقع المتفرج، لا لشيء إلا لأن جيوبهم لا تحتمل صيامًا قصيرًا عن الدراهم. هؤلاء لم يرفعوا لواء التضامن، بل رفعوا شعارًا آخر أقرب إلى منطق الانسحاب المبكر من المعركة اذهبوا أنتم وزملاؤكم فقاتلوا… أما نحن فسنظل هنا نعد العقود ونحصي الرسوم. إنها ليست مجرد مخالفة لقرار إضراب، بل صورة كاريكاتورية لعدول يطلبون من غيرهم أن يضحوا بينما يكتفون هم بقطف ثمار تضحيات الآخرين. فالمعركة التي كان يفترض أن تكون جماعية تحولت عند البعض إلى مسرحية هزلية.

فريق يقاتل دفاعًا عن المهنة، وفريق آخر يطل من النوافذ ليتأكد فقط أن السوق مازال يدرّ دخلاً.
الحقيقة التي لا يريد البعض سماعها هي أن المهنة لا تسقط فقط بالقوانين المجحفة، بل تسقط أيضًا عندما يتخلى أهلها عن روح التضامن. فالقانون قد يُعدّل، والقرارات قد تتغير، لكن وصمة التخاذل تبقى. لقد سجلت هذه الأيام التسعة عشر صفحة جديدة في تاريخ المهنة: صفحة كتبها من صمدوا دفاعًا عن كرامة العدالة التوثيقية، وصفحة أخرى كتبها أولئك الذين فضلوا الجلوس على الهامش، ينتظرون نهاية المعركة ليعلنوا أنهم كانوا دائمًا في صف المنتصرين.
لكن التاريخ المهني لا يخطئ في تسجيل الأسماء هناك من وقف في الصف الأول، وهناك من اختار أن يكون مجرد شاهد صامت أو بالأحرى متفرجًا بارعًا في فن الاختباء عندما تبدأ المعارك الحقيقية.









