هناك من يتخوف اليوم من أن تؤدي سياسات التصعيد إلى جرّ المنطقة نحو دوامة لا يمكن التكهن بنتائجها. فحين تتماهى بعض العواصم مع صراعات مفتوحة، يصبح السؤال مشروعًا هل يدرك النظام الشمولي بالحزائر أن الانخراط غير المحسوب قد يجعل مدنه نفسها عرضة للغارات ولحرب لا ناقة للجزائر فيها ولا جمل.؟ إن المقارنة بين طهران و وهران كما جاء في عنوان الافتتاحية لا ينبغي أن يفهم كتهديد أو تشفي شخصيا لا أتمنى السوء لهذا البلد الجار العدو الذي حشرنا الله معه، بل كتحذير سياسي من منطق المغامرة. فالتاريخ علّمنا أن من يقترب كثيرًا من بؤر التوتر، قد يجد نفسه فجأة داخلها. والشعوب هي دائمًا أول من يدفع ثمن الحسابات الخاطئة.
السياسة الرشيدة لا تُبنى على منطق عداء وكراهية الجيران والاصطفاف الأعمى، ولا تبنى على إطلاق التهديدات و التصريحات النارية قد تشعل أكثر مما تطفئ. العالم العربي لا يحتاج إلى مزيد من العواصم المتوترة، بل إلى قادة جادين وحقيقيين يدركون أن أمن الأوطان يبدأ بالحياد الحكيم، لا بالشعارات.
جمهورية الشعارات حين تتكلم الثورة بلغة الخشب
في الجزائر الرسمية، كل شيء يبدأ بالثورة وينتهي بالبيانات والكذب. خطاب يصدح بالعروبة صباحًا، ويصافح المحاور شرقًا مساءً، ثم يعود ليعظ الجغرافيا عن الاستقلالية والسيادة.
النظام هناك بارع في صناعة المفارقة يندد بالتدخلات الأجنبية، لكنه لا يجد حرجًا في الارتماء سياسيًا في أحضان حسابات إقليمية معقدة. يتحدث عن عدم الانحياز، بينما تموضعه واضح في كل منعطف. يرفع شعار “عدم التدخل في شؤون الدول”
ثم يجعل من ملفات الجوار مادة يومية في نشراته وخطاباته. الرئيس عبد المجيد تبون يعلن التضامن المطلق مع مواقف تصدر من طهران، ويقدّم نفسه مدافعًا عن الشرعية الدولية، لكن الشرعية ذاتها تبدو انتقائية حين تقصف ايران دول الخليج وحين يتعلق الأمر بحساسيات المنطقة أو قضايا السيادة في الدول العربية. تجد الرئيس الجزائري يندد بالحرب على ايران ويؤيد الاعتداء على دول الخليج وشن غارات غليها وقصفها بالصواريخ.
المفارقة الأكبر أن الخطاب الثوري الذي وُلد في زمن الحرب الباردة ما زال يُستعمل بالجزائر وكأن العالم لم يتغير. نفس النبرة، نفس العبارات، نفس “نحن ثالث اقتصاد في العالم ونحن من ادهلنا الصين الى منظمة الأمم المتحدة والجزآئر هو البلد الوحيد الذي اعترف بامريكا قبل قرون ونحن قوة ضاربة ونحن مع تقرير مصير الشعوب ونحن مع الحق المطلق” وكأن السياسة مباراة شعارات لا حسابات مصالح. الجزائر الرسمية تريد أن تبدو قوة إقليمية وعالمية مهابة، لكن القوة لا تُقاس بحدة التصريحات، بل بقدرة الدولة على بناء توازنات لا تضعها في عزلة. والهيبة لا تُصنع بالبيانات النارية، بل بالاقتصاد القوي، والدبلوماسية الرصينة، واحترام منطق عدم صب الزيت على كل نار مشتعلة.
أما الشعوب، فهي آخر من يُستشار وأول من يدفع ثمن المغامرات الخطابية. وبين خطاب ثوري قديم وواقع دولي جديد، يبقى السؤال معلقًا هل ما زالت السياسة هناك بالبلد الجار تُدار بعقل الدولة أم بروح البيان..؟









