ليس السؤال اليوم أين هي الثقافة في المغرب..؟ بل السؤال الأصدق كيف صمدت و نجت إلى اليوم..؟ كيف لم تطلب اللجوء السياسي، أو على الأقل إجازة مرضية طويلة، وهي تُدار بمنطق “التدبير بالحد الأدنى من المعرفة” وتُحاصر بجيوش من مدراء ومديرات جهويين لا علاقة لهم لا بالثقافة ولا بالكتابة ولا حتى بالتهجئة، ناهيك عن الصحافة التي صارت تُكتب بيدٍ، وتُحذف باليد الأخرى. ثلاث حقائب سيادية الثقافة، الاتصال، وُضعت دفعة واحدة، وبسخاء نادر، في طبق من ذهب أمام وزير واحد المهدي بنسعيد. وزير لا يُلام لأنه غير مثقف، بل يُلام النظام الذي اعتبر الثقافة حقيبة تقنية، مثلها مثل تدبير مواقف السيارات أو صباغة الأرصفة. شتّان بل هوّة حضارية بين المهدي بنسعيد وأسماء مرّت من هنا لا كوزراء فقط، بل كمفكرين؛ محمد علال سيناصر، عبد الله العروي، اركون الجابري وبنسالم حميش، محمد الأشعري…
هؤلاء كانوا يدخلون الوزارة ومعهم كتبهم، مشاريعهم، وأسئلتهم الوجودية. اليوم، يدخلها البعض ومعه هاتف ذكي، ومستشار تواصل، وهاجس “الترند”. ولكي نفهم حجم السقوط، يكفي أن نفتح كتاب محمد علال سيناصر “نظرات في تدبير الشأن الثقافي بالمغرب (1992–1995)” كتاب لا يُقرأ على عجل، لأنه مكتوب بعقل دولة لا بعقل حملة رقمية. كان سيناصر يتحدث عن الثقافة بوصفها شرط الوعي والمسؤولية الاجتماعية، عن استحالة وجود ثقافة بلا تعليم، عن اللامركزية، ودور الجماعات المحلية، عن “المكتبة الوطنية الكبرى” قبل أن تصبح مجرد صورة في منشور رسمي. كان يتحدث عن رأس المال البشري قبل أن يتحول المفهوم اليوم إلى شعار يُستعمل لتبرير الهشاشة، ويقول بوضوح جارح “المورد الإنساني يمكنه تعويض خصاص رأس المال المادي لكن لا شيء يعوضه هو.” ثم الجملة القاتلة التي تصلح اليوم كمرآة مهشّمة للواقع “هذه الوزارة لا تجذب إليها ذوي الكفاءة والطموح.” كان علال سيناصر يرفض إخضاع الثقافة للسياسة الظرفية ويرفض استنساخ النماذج الجاهزة ويصرّ على الأصالة والانفتاح معًا، لا كزينة خطابية بل كاختيار حضاري اليوم..؟ تحوّلت الثقافة إلى ملف إداري والإبداع إلى ملحق ميزانياتي، والكتاب إلى ديكور في معارض تُلتقط فيها الصور أكثر مما تُقرأ فيها العناوين. كان الرجل يتحدث عن التراث لا كترف، بل كشرط للإبداع “لا يمكن أن يستقيم إبداع من لا تراث له.” بينما نحن اليوم نُرمّم الذاكرة بمنطق الصفقات ونُدير المتاحف بمنطق الحراسة الليلية ونتعامل مع الفنان كملف اجتماعي لا كقيمة رمزية كان يطالب بـ1% من الميزانية للثقافة، لا طمعًا بل حدًّا أدنى لبلد يريد أن يكون له مكان بين الأمم أما اليوم، فالثقافة تُدبّر بمنطق “دبر على راسك ؤ دبّر راسك” الخلاصة ليست نوستالجيا ولا حنينًا إلى “زمن جميل” بل سؤال سياسي صريح ؛ كيف نطالب بثقافة حيّة، ونحن نُسندها لمن لا يؤمن بها ونُديرها بعقل إداري، ونُحاصرها بجيش من الأميين واللا اختصاص..؟ الثقافة لا تموت فجأة، إنها تُقتل ببطء بالتهميش و التفاهة، وبوزير لا يرى فيها أكثر من حقيبة.
كيف تُدار الثقافة في بلد عريق حين تُسلَّم مفاتيحها لمن لا يقرأ..؟








