إنّ بعض المنتفعين من لحظة الارتجاج هذه يحاولون فتح أبواب النقابة المجلس الوطني الصحافة أمام كل من هبّ ودبّ، ممن لا علاقة لهم بالصحافة، ودون الحدّ الأدنى من المستوى المهني أو الأخلاقي. فهؤلاء لا يبحثون عن حماية المهنة، بل عن اقتناص مواقع وتصفية حسابات وتلميع صور شخصية على حساب مؤسسة وطنية يفترض أن تكون فوق التجاذبات. وفي المقابل، يظلّ وجود صحفيين نزهاء من طينة محتات الرقاص و عبد الله البقالي بمثابة صمام أمان داخل هذه العاصفة؛ فهما نموذج للصحفي الملتزم بالمبدأ، الحريص على احترام القانون والوفاء لروح المهنة، وليس موظفاً عند المزاج أو الخوف أو الحسابات الضيقة. ويكفي أن موقف البقالي الرافض للخرق الإجرائي بصفته رئيس لجنة الأخلاقيات كان وحده كافياً لفضح هشاشة “المحاكمة” التي حاول البعض تمريرها خلف الأبواب الموصدة. إن محاولة إقصاء مجاهد ورحاب خارج إطار الشرعية ليست سوى تجسيد لمرحلة يحاول فيها الطارئون إعادة هندسة المشهد الصحفي على مقاسهم، وإقصاء كل من يمتلك ثقلاً مهنياً أو رأياً مستقلاً ولذلك يبقى السؤال قائماً بقوة، هل نحن أمام قرار تأديبي أم أمام انقلاب صغير يقوده من يخططون لبيع ما تبقّى من هيبة الصحافة في سوق الفوضى الرقمية.. ؟

لم تعد أزمة الصحافة اليوم مجرد صراع بين هيئات مهنية أو اختلاف في التأويلات القانونية، بل تحوّلت إلى معركة وجودية حول من يملك شرعية تمثيل المهنة وصون قيمتها. ففي الوقت الذي تُواجِه فيه الصحافة المغربية واحدة من أعقد مراحلها التاريخية بسبب اجتياح “صحافة الهواتف الذكية” وفوضى الصفحات الفايسبوكية والمواقع الرذيئة والمنصّات الرقمية، يتقدّم دعاة التفرقة والشتات لمحاولة تفكيك الجسم الصحفي من الداخل، واستبدال منطق المؤسسة بمنطق الضجيج. إن المجلس الوطني للصحافة والنيابة الوطنية للصحافة المغربية ليسا مجرد إطار تنظيمي؛ إنهما خط الدفاع الأخير عن مهنة تُستنزف يومياً بالمحتوى السطحي والادعاءات الكاذبة. وفي زمن صار فيه كل من يعبئ هاتفه ب خمس او عشرين درهما او من يملك اتصالاً بالإنترنت بواسطة ويفي مقهى من المقاهي يقدّم نفسه كـ”صحفي“، تبرز الحاجة الملحّة لحماية المهنية، وإعادة الاعتبار لمن صنعوا تاريخ هذا القطاع، ولمن راكموا كفاءة وتجربة حقيقية، لا لمن يقفز من وراء “الكايبورد” وشاشة هاتف ليعبث بصورة هذه المهنة الشريفة.
في المحصلة، لم يكن قرار طرد الزميل يونس مجاهد والزميلة حنان رحاب مجرد إجراء إداري عابر، بل حلقة جديدة في مسلسل التجاذبات التي تهزُّ البيت النقابي وتكشف حجم الاختلالات التي اخترقت هياكله. فالجلسة التي قيل إنها مخصّصة لـ”محاكمة” عضويْن بارزين، عُقدت بغياب رئيس لجنة الأخلاقيات عبد الله البقالي، الرجل المخوّل قانوناً بتحديد جدول المداولات ومساطرها، وهو غياب يطرح أكثر من علامة استفهام حول الشرعية الإجرائية والنية الحقيقية خلف هذا القرار المتسرّع. وتقاطع المعطيات يؤكد أن الصراع لم يعد مهنياً خالصاً، بل تحوّل إلى معركة نفوذ داخل النقابة، وظّف فيها البعض ما ظهر من تسجيلات وتسريبات لتمرير قرارات حاسمة في لحظة حسّاسة، مستغلّين حالة الارتباك التي خلّفتها نازلة لجنة الأخلاقيات بالمجلس الوطني للصحافة. وفي ظل هذا المناخ المشحون، يصبح السؤال المركز هو، هل الهدف تصحيح المسار أم تصفية الحسابات وتفكيك آخر ما تبقّى من سلطة أخلاقية داخل الجسم الصحفي..؟ إنّ مستقبل النقابة اليوم حسب وجهة نظري كصحفي مهني يجر وراءه تجربة 35 سنة ، أراه معلّق بين منطق المؤسسات ومنطق الانفعالات. وقرار بهذا الحجم، يُتّخذ خارج الضوابط القانونية التي يقتضيها حضور رئيس لجنة الأخلاقيات، لا يفتح الباب إلا لمزيد من التشكيك والتصدّع.
وبالتالي، تبقى شرعية قرار الطرد مطعوناً فيها، ما دام الأساس الإجرائي الذي يعطيه قوّته كان غائباً وربما مغيَّباً عن قصد… يتبع










