
افتتاحية نهاية الأسبوع
المغرب لا يعتمد على “الساسة” و الزعماء المزيفين ولا ينتظر لا بنكيران ولا اخنوش ولا لشگر ولا وهبي ولا نبيل بن عبد الله ولا يحتاج لإعادة تدويرهم، المغرب اليوم يمشي نحو أوراش كبرى برجالات الدولة الحقيقيين ولاة وعمال وكتاب عامون وباشوات ورؤساء دوائر وقواد وجيش واجهزة المخابرات والأمن الوطني والدرك الملكي ورؤساء المحاكم ووكلاء الملك وكل الخيرين بمديريات الضرائب ومكاتب ONEE والفلاحة وكل المقاولين والمنعشين العقاريين اللغير متحزبين وليس هواة السياسة بالحكومة والبرلمان والمجالس

يبدو أن السيد عبد الإله بنكيران لا يزال يصرّ على خلط الأوراق كلما اقترب موسم الانتخابات، وكأنه يبحث عن شماعة جاهزة يعلّق عليها أي هزيمة محتملة قبل أن تقع. آخر خرجاته التي حاول فيها المسّ بالمستشار الملكي فؤاد علي الهمة، كانت أكبر دليل على أن الرجل يخوض معركته الانتخابية بطريقته القديمة، وهي كثير من الضجيج وقليل من المسؤولية. فؤاد علي الهمة الذي يعرفه المغاربة بصفته أحد الرجال الأوفياء للمملكة والعرش، لم يكن يوماً منخرطاً في هذا الضجيج الشعبوي الذي يتقنه بعض الساسة. تعرفت على هذا الرجل المتواضع ببلدية بنگرير حين كان وقتها رئيسا للبلدية قبل 33 سنة، إنسان خلوق يعمل في الظل، كان ولا يزال دائما يضع مصلحة المغرب فوق أي حساب، يعرف جيداً من يخدم الوطن ومن يتخذ السياسة سلّماً للظفر بالمكاسب. المقارنة بين الهمة وبنكيران ليست في صالح الأخير، ولن تكون. Le Paradoxe أن بنكيران يخشى تدخّل السيد فؤاد علي الهمة ..؟ ويحاول إقناع المغاربة بأن هزيمته المقبلة ستكون مؤامرة..؟ هذا الرجل غريب الأطوار بدل أن يقف أمام حصيلته حين كان رئيساً للحكومة، وبدل أن يعترف بأن قراراته هي “لي خرجات على الشعب” وفجّرت مشاكل اجتماعية واقتصادية ما زال المواطن يؤدي ثمنها إلى اليوم، اختار الرجل الطريق الأسهل وهو خلق عدو وهمي. فما أسهل أن يتّهم الآخرين، وما أصعب أن يواجه الحقيقة أنه لم يكن ذلك السياسي المحنك الذي يعول عليه أو “المنقذ الذي باع لعجل للشعب ذات يوم“، المغاربة لم ينسوا فترته الحكومية، ولا حتى قهقهته وخرجاته التي كانت أقرب للتهريج منها إلى القيادة الرصينة. ولم ينسوا أيضاً أن تدخّل جلالة الملك نصره الله في أكثر من محطة كان ضرورياً لضبط مسار الحكومة التي كانت في ولاية بنكيران تتخبط، حتى وصل الأمر إلى إعفائه أخيراً بعد عجزه عن تشكيل الحكومة. الحقيقة التي يجب على بنكيران الاعتراف بها، هي أنه لم يعد بديلاً ولن يكون، من يراقب تصريحاته الأخيرة يدرك أنه يخوض “معركة بقاء سياسي” أكثر مما يخوض حملة انتخابية. الرجل “غير كايشير” يلوّح يميناً ويساراً، يوزّع الاتهامات، ويعيد استعمال أسلوبه القديم، خلق خصوم وهميين وتقديم نفسه ضحيةً لجهات لا وجود لها إلا في خطاباته. لو كان بنكيران يفكر فعلاً في مستقبل حزبه، لترك القيادة لقادة الحزب، ولأعاد الاعتبار للممارسة السياسية النظيفة. لكنه يفضل العودة إلى الواجهة بخطاب يثير الانقسام ويبحث عن التعاطف. إن المغرب ٱ سي بنكيران أكبر مني ومنك ومن كل “القادة السياسيين” بين ضفرين ومن الشعبوية، سواء عدتم ٱسي بنكيران أو بقي أخنوش أو جاء غيركما، فإن الحقيقة الصلبة هي التالية، المغرب بحاجة إلى رجال ونساء دولة، لا إلى صانعي الضجيج، المغرب بحاجة إلى مسؤولين يحترمون الملك و الدستور ويتعاملون بجدية مع هموم المواطنين. المغرب بحاجة إلى عدالة اجتماعية تمنح الجميع فرصاً متكافئة بعيداً عن الريع والزبونية. المغرب محتاج لطبقة سياسية تعتبر الوطن أولوية، لا منصة للمصالح الشخصية.
لهذا جلالة الملك نصره الله ادرك أن المغرب الذي يريده جلالته أن يزدهر ويتقدم و يسير بسرعة واحدة نحو المستقبل، لا يمكن أن يترك مصيره في اكف انتهازيين و بين أيدي من يثيرون الغبار كلما اقتربت الانتخابات، ولا بين أيدي الانتهازيين الذين يستحمرون الشعب ويحاولون تعطيل الثقة بين المواطن ومؤسسات بلاده.
لا بد من الإقرار في نهاية هذه الافتتاحية بأن داخل حزب العدالة والتنمية قادة سياسيين حقيقيين كما اسلفت الذكر يفوقون بنكيران وزناً سياسياً وعمقاً فكرياً ، عبد الله بوانو، عبد الصمد حيكر، مصطفى الخلفي، سعد الدين العثماني، والداودي ويتيم ، إدريس الأزمي، ومصطفى الرميد. سياسيون يتمتعون بالرصانة، بالكفاءة، وبالقدرة على تقديم البديل بعيداً عن لغة المسرح السياسي التي اشتهر بها بنكيران. وللحزب أيضاً نساء من طينة استثنائية، أهم وأقوى حضوراً من كثيرات ظهرن في أحزاب حكومية تتنافس على الظهور أكثر مما تتنافس على بناء السياسات، خصوصاً في زمن تشتت “الأحرار الحقيقيين” وسط ضجيج “المغاربة الأحرار وليس التجمع”، وانحدار خطابات “لبسالة والمعاشرة” التي صارت عنواناً سيئاً لبعض الممارسات في حزب “الأصالة والمعاصرة”، الذي فقد شيئاً من أصالته وما تبقى من معاصرته. اما السيد عبد الإله بنكيران، فإنه يصر كلما اقتربت الانتخابات، على خلق سحابة من التشويش كأنه يمهّد مسبقاً لنتيجة لا يثق بها. آخر خرجة له، التي حاول فيها رمي المستشار الملكي فؤاد علي الهمة باتهامات مبطّنة، لم تكن إلا محاولة ك clássique لتصدير الفشل السياسي.
فالهمة، رجل الدولة الهادئ الذي يعمل بوفاء وإخلاص للملك وللمملكة، لا يحتاج إلى الرد على ضجيج بنكيران. يكفي أنه يعرف جيداً من يستحق الثقة ومن يسعى إلى السلطة بمنطق الغنيمة. مقارنة بنكيران بالهمة أشبه بمقارنة الصخب بالعقل، والضوضاء بالبوصلة. هل يخاف بنكيران من تدخل الهمة..؟ أم يخاف من مواجهة صناديق الاقتراع..؟ بدل أن يعترف بنكيران بأن حصيلته الحكومية أثقلت كاهل المغاربة، اختار أن يعلّق فشله على شماعة “التدخل”. بعض المراقبين رأوا في تصريحه تصعيداً انتخابياً، والبعض الآخر قرأه كخطوة استباقية لتبرير الهزيمة. الحقيقة أن بنكيران يحاول صناعة “عدوّ” ليبدو ضحية، وهي لعبة يعرفها جيداً منذ سنوات. التاريخ لا ينسى، المغاربة لم ينسوا القرارات التي اتخذها بنكيران وأرهقت الطبقة المتوسطة والفقيرة. الخرجات “البهلوانية” التي حوّلت رئاسة الحكومة إلى حلقات استعراضية. لهذا سيكون من الصعب بل من المستحيل أن يعود لا اخنوش ولا هذا الرجل إلى رئاسة الحكومة كما يحلمون. المغرب بحاجة إلى رجال دولة لا إلى مؤثرين سياسيين، اكرر سواء عاد بنكيران إلى الواجهة أو بقي أخنوش في موقعه، فإن مستقبل المغرب لن يتغير ما لم يصعد إلى القيادة أشخاص صادقون، نزهاء، قادرون على حماية الدستور والمال العام، وعلى منح المواطنين حقوقهم. المغرب يحتاج إلى قرار سياسي نظيف، إلى توزيع عادل للثروة والمناصب، وإلى ضرب صريح للريع واللوبيات الفاسدة، أما من يثيرون الغبار قبيل الانتخابات فمكانهم الطبيعي ليس قيادة الحكومات، بل صفحات التعليق السياسي. بنكيران آخر من يحق له الكلام باسم العدالة والتنمية. قبل الحديث عن خرجات عبد الإله بنكيران الأخيرة، يجب قول الحقيقة بصوت عالٍ، حزب العدالة والتنمية أكبر من بنكيران، وأقوى منه، وأغنى بكثير من أن يبقى رهينة مزاجه وتقلباته، الحزب يضم قيادات سياسية محترمة ووازنة كعبد الله بوانو، عبد الصمد حيكر، مصطفى الخلفي، إدريس الأزمي، مصطفى الرميد وعزيز الرباح قادة حقيقيون، يشتغلون بعقل وهدوء ومسؤولية، وليس بالضجيج المسرحي الذي صار أسلوب بنكيران الوحيد للعودة إلى الضوء وللحزب نساء وطنيات يتمتعن بالكفاءة والرصانة، أفضل بكثير من بعض الوجوه “لمقزدرة” البلاستيكية كصاحبة الولاء وتجديد العهد لولي النعمة اخنوش , كائنات غريبة تتصدر الأحزاب الحكومية الحالية، وخصوصاً وسط حالة التشتت والتصنع وسقوط بعض الأحزاب في منزلقات “اللبسالة والمعاشرة” بدل السياسة والتدبير، بنكيران رجل يرفض أن يفهم أن وقته انتهى، تصريحات بنكيران الأخيرة ضد المستشار الملكي فؤاد علي الهمة لم تكن سوى محاولة يائسة لإعادة إنتاج دور “الضحية”.
يريد أن يقنع المغاربة بأن أي هزيمة قد يتلقاها في الانتخابات المقبلة ليست بسبب فشله، ولا بسبب فقدان بريقه، بل بسبب “تدخلات”، هذه أسطوانة مشروخة، ومسموعة حدّ الملل، بنكيران لم يعد يمثل الحزب، الحزب اليوم يمثله عقلاؤه لا رواة النكت السياسية، المستشار الملكي فؤاد علي الهمة رجل دولة هادئ، وفيّ للملك والوطن، لا يدخل في مهاترات شعبوية، ولا يحتاج إلى الرد على أشخاص يعيشون على سخونة الميكروفونات. المقارنة بين الاثنين إهانة للمنطق السياسي. حزب العدالة والتنمية لا يمكن أن ينهض… وبنكيران يجذبه إلى الخلف ، الحزب لن يستعيد مكانته ما دام بنكيران يعتبره ملكية خاصة يطل منها ويختفي كما يشاء.
الحزب يحتاج إلى قيادة جديدة، عقلانية، جيل قادر على تقديم رؤية ومسار… لا إلى زعيم سابق يسعى للعودة عبر خلق خصومات وهمية، بنكيران اليوم عبء سياسي، لا رصيد سياسي. وعليه أن يفهم أن خروجه من المشهد ليس خسارة للحزب… بل إنقاذ له، لقد عطّل التجديد داخل الحزب، شتّت مسارات بعض الكفاءات، وحوّل النقاش الداخلي إلى حلقات استعراضية تُصنع فيها المظلومية أكثر مما تُصنع السياسة، المغرب لا ينتظر بنكيران ولا يحتاج لإعادة تدويره، المغرب اليوم يمشي نحو أوراش كبرى، والملك يقود تحولات استراتيجية لا مكان فيها للخطابات الفارغة. البلاد تحتاج إلى رجال ونساء يفهمون معنى الدولة، معنى المسؤولية، معنى احترام المواطنين، لا تحتاج إلى زعماء يلقون الكلام على عواهنه ويبحثون عن عداوات مجانية لإحياء شعبية ماتت. الحقيقة البسيطة هي إن أراد حزب العدالة والتنمية أن يعود، فعليه أولاً أن يحرر نفسه من بنكيران. وإن أراد بنكيران خدمة حزبه فعلاً… فليتركه لأصحابه الحقيقيين، وليتوقف عن وضع العصا في عجلة المستقبل.










