
تسخير بعض وسائل الإعلام والتسريبات معركة ليست صحفية، أخطر ما يقوم به البعض هو تسليح اليوتيوب ورمي المجتمع بتسجيلات مسربة أو مشوهة، وتحويل النقاش الوطني إلى فوضى رقمية، وإلى “محاكم شعبية” يقودها بعض الأشخاص لا يملكون لا أخلاق ولا كفاءة مهنية ولا مسؤولية وطنية، إن بعض الحرفيين لا يدافعون عن الصحافة بل يستعملونها كأداة لتصفية الحسابات وإرباك المشهد وكسب تعاطف مزيف.
في توقيت تختلط فيه الحسابات الإقليمية بالرهانات الداخلية، برزت من جديد أصوات اعتادت الاصطياد في مياه العُقد التاريخية. أصواتٌ تُمارس المعارضة لا من موقع المسؤولية، بل من موقع التصميم على هدم الثقة في الدولة والملكية والمؤسسات. والمفارقة أنها نفس الوجوه التي قضت عقودًا تراهن على إسقاط نظامٍ صلب، فوجدت نفسها في النهاية عاجزة عن مواجهة ملكيةٍ تضرب جذورها في عمق الشعب، لقد فهم هؤلاء متأخرين أنهم لا يستطيعون مواجهة المؤسسة الملكية مباشرة، فاختاروا طريقًا جانبيًا، التغلغل في صفوف المواطنين، وتغذية الغضب، وتحويل معاناة الناس إلى أدوات ضغط سياسي، يُتاجرون بغلاء الأسعار، ويحرفون النقاش حول البطالة، ويستغلون اختلالات التدبير، ليس حبًّا في الوطن ولا نصرةً للمواطن بل رغبةً في تسويق سردية كاذبة “الدولة تنهار”. لكنهم تناسوا أن الدولة ليست مجموعة قرارات حكومية، بل منظومة تاريخية يقودها رمزٌ وطني مُجمع عليه، وأن استهداف خُدام الدولة ولاة، عمال، مسؤولين هو محاولة بائسة لضرب المؤسسة الملكية من الباب الخلفي. والمغاربة يميزون جيدًا بين النقد النزيه ومحاولة ضرب الدولة في قلبها. أخطر من المعارضة، مشروع هدام منسَّق، لم يعد الأمر يتعلق بشخص أو اثنين. بل صار الأمر منظومة متشابكة من الداخل والخارج، أصوات تحترف التشويش من الرباط والدار البيضاء ومدن اخرى. وجوه أخرى تتربص من عواصم بعيدة. منابر تستغل منصات رقمية أجنبية لتمرير رسائل مسمومة. وآخر مظاهر هذا الانفلات، ظهور مجموعات تدير حسابات تواصل في قلب الدوحة، تهاجم المغرب وتطعن في ملكه، داخل دولة شقيقة تجمعنا بها علاقات متينة وراسخة والأغرب أن ما جرى يدخل تحت طائلة القانون القطري 14/14 الذي يجرّم التطاول على دولة ذات سيادة من داخل الأراضي القطرية. ومع ذلك ظل الوضع معلّقًا، وكأنّ البعض اختار اختبار حدود الصبر المغربي، المغرب ليس دولة تُختبر… ولا نظامًا يُستفز، هؤلاء الذين تنكروا لهويتهم ولا يعترفون بمغربية الصحراء، ويتجاهلون دعم 150 دولة، ويتعامون عن القنصليات المفتوحة في الأقاليم الجنوبية، يعيشون في فقاعة فكرية منعزلة، المغرب اليوم قوة إقليمية صاعدة، بدبلوماسية هادئة لكنها صلبة، وبمشروع دولة لا يعتمد على ردود الفعل، بل على بناء المستقبل. إن محاولات خونة الداخل والخارج ليست سوى جلبة صغيرة حول جدار كبير، من يخطط لضرب الملكية من خلال تشويه المؤسسات، أو من يراهن على زعزعة الثقة الوطنية من بوابات مظلمة، لا يدرك طبيعة هذا البلد ولا عمق تاريخه. الدولة ستستمر والملكية ستستمر والمملكة ستبقى أكبر من مبادئ “المطرقة والمنجل” ووهم اطروحة النظام الجمهوري وهوس الانقلاب والنظريات les Doctrines التي ولت كما هوت كل الأصوات التي اختارت الاصطفاف ضد وطنها، وأصغر بكثير من أن تُحدث شرخًا في بيتٍ عمره قرون.










