
لا أحد يجادل اليوم في أن واجب الصحافة هو كشف الأعطاب، وتنبيه السلطات، وتنوير الرأي العام بما يجري خلف الستار. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الافتتاحية دفاعاً عن المصلحة العامة، وصوناً لقيم الشفافية، ورفضاً لكل ممارسات تسيء لصورة الدولة وتضرب مصداقية المؤسسات. لقد أبرزت المعارضة، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية، معطيات مثيرة تتعلق بملف وزير ينتمي لحكومة أخنوش، تجمع بين تضارب المصالح، واستغلال موقع القرار، وترتيبات تعاقدية تثير أكثر من علامة استفهام. الحديث هنا مرتبط بملف شركة فارما بروم التي شهدت، وفق المعطيات التي جرى تداولها داخل البرلمان وفي تقارير إعلامية، قفزة فلكية في رقم معاملاتها، انتقلت من حدود 5 ملايين درهم إلى ما فوق 56 مليون درهم سنة 2025، معظمها صفقات عمومية تخص الأدوية والمعدات الطبية. اللافت بل الصادم أن هذه الشركة نفسها لم تكن تحظى بصفقات كبيرة خلال ولاية الوزير السابق خالد آيت الطالب باستثناء صفقات جد صغيرة ، بسبب ملاحظات تخص الجودة والقدرة التنافسية. لكن الأمور تغيّرت فجأة بعد استوزار مالك الشركة، بطريقة تفرض على كل مسؤول غيور على نزاهة المرفق العمومي أن يتساءل،
هل تغيرت جودة الأدوية..؟ أم تغيرت معايير منح الصفقات..؟
نحن أمام حالة تُظهر بجلاء مدى حاجة الحكومة إلى تطويق تضارب المصالح تشريعياً ومؤسساتياً، وإلى تجديد الثقة في قواعد المنافسة الشفافة. فالصحة ليست قطاعاً عادياً، ومواطن بسيط واحد يدفع ثمن الفساد، إن وُجد أكثر مما يطيق.
والكرة اليوم في ملعب مؤسستين دستوريتين لهما كل ما يكفي من السلطة والصلاحيات، مجلس المنافسة و المجلس الأعلى للحسابات، الواجب الوطني يفرض فتح تحقيق مهني، دقيق، شفاف، يزيل الضباب، ويحدد المسؤوليات، ويضع حداً لأي التباس يمكن أن يسيء لصورة الدولة أو يخلق شعوراً بانعدام العدالة لدى المواطنين، المغاربة اليوم يريدون دولة قوية لا تتسامح مع تضارب المصالح، وحكومة تحارب الريع بدل أن تُتهم بفتحه، ومؤسسات تسهر على أن تكون الصفقات العمومية مجالاً للنزاهة لا للاستغلال، إن الضرب بيد من حديد على كل ممارسات تُضعف الثقة وتسيء للمرفق العمومي، ليس فقط واجباً قانونياً، بل ركيزة أساسية لبناء نموذج تنموي يحترم ذكاء المغاربة وحقوقهم.










