يلاحظ المواطنون أن بعض المسؤولين الترابيين الذين جاؤوا بتعيينات “مظلّلة” من خارج هرم وزارة الداخلية غالبًا ما تنطبق عليهم مقولة “من لحمارة للطيارة” فغياب التدرج الطبيعي يجعل بداية مسارهم الإداري معوجّة من الأساس، تمامًا كما يقال “من الخيمة خرج مايل”.

افتتاحية الشهر
هذا النوع من التعيينات يخلق مسؤولين لم يمرّوا بمدرسة الميدان، ولم يختبروا صعوبة الاحتكاك اليومي بالمواطن، ولا يعرفون تفاصيل التراب، ولا ضوابط السلطة المحلية. ولهذا، تجد عند بعضهم عجرفة زائدة، وقرارات مرتجلة، ونفَسًا استعلائيًا كأنهم فوق المجتمع وليسوا جزءًا من خدمة رعايا صاحب الجلالة، فالسلطة الترابية ليست وظيفة مكتبية يتم استيرادها من الإدارات المركزية، بل هي مدرسة صبر وميدان وتدرّج وتجارب متراكمة، كقواد ورؤساء دوائر وباشوات وكتاب عامون وحتى مدراء مراكز الاستثمار نجحوا في التسيير وتدبير الشأن العام كعمال. ومن يقفز فوق هذه المراحل يبدأ منحرفًا، وتنعكس هذه الأعوجاجات على تدبير الشأن المحلي وعلى علاقة الإدارة بالمواطنين، خلال السنوات الأخيرة في عهد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، تزايدت مظاهر “الباراشوت” في التعيينات الترابية، حيث يجد بعض المسؤولين أنفسهم في مواقع المفترض أن تتطلب تدرجًا طبيعيًا طويلًا، وخبرة ميدانية دقيقة، وفهمًا معمقًا لنبض التراب وروح المواطن. لكن بدل هذه الرحلة المهنية الضرورية، يقفز بعض الوافدين الجدد مباشرة من إدارات مركزية أو قطاعات بعيدة كل البعد عن مدرسة السلطة المحلية والإدارة الترابية، فيتم إسقاطهم من أعلى دون أن يمتلكوا أدوات القيادة الترابية على الأرض، هذا النموذج من التعيينات ينتج عنه مسؤولون يشبهون ما يصفه المغاربة بالقفزة الغريبة “من لحمارة للطيارة”؛ انتقال فجائي لا يستقيم معه التوازن ولا السياق. وهؤلاء غالبًا ما تنطبق عليهم أيضًا المقولة الشعبية “من الخيمة خرج مايل”، لأن الانطلاقة غير الموزونة تُعيد إنتاج الأعوجاج داخل الإدارة، وتُترجَم عمليًا في تعامل متعجرف، نظرة استعلائية، أو قرارات مرتجلة لا تراعي الواقع الاجتماعي ولا حدود السلطة ولا حساسية الإقليم. إن مخاطر “الباراشوت” اقصد تعيين المظليين لا يتعلق فقط بنقص الخبرة التقنية، بل بأعمق من ذلك، تآكل الثقة بين المواطن والدولة، فحين يصبح المواطن يحتج في وجه المسؤول ويشعر معه السكان أن من يسهر على شؤونهم لا يعرفهم ولا يعرف أرضهم ومشاكلهم ومعاناتهم، ولم يمر من مراحل السلطة التي تصقل الكفاءة وتُنضج القدرة على تسيير الأزمات، يصبح الخلل بنيويًا، وتظهر توترات غير معلنة بين الإدارة والناس، ويضيع الاستثمار في الزمن الإداري، وتتراكم الاحتجاجات الصامتة داخل المجتمع، التعيينات الترابية ليست مجرد تدوير نخب أو ملء مناصب شاغرة. إنها مسؤولية أخلاقية وسياسية تتطلب رجال ميدان، خبروا التراب، واجتازوا محطات السلطة بكل تفاصيلها الصعبة. أما إسقاط مسؤولين جدد بالمظلة، دون تجربة أو دراية، فهو وصفة جاهزة لخلق الفجوات، وإضعاف الحكامة، وقطع الجسور بين الدولة ورعاياها، لقد أثبتت التجربة أن الولاة والعمال الذين تدرّجوا من قائد إلى رئيس دائرة، ثم باشا وكاتب عام، هم الأكثر قدرة على بناء علاقة صحية مع المواطنين وحل مشاكلهم، لأنهم يعرفون لغة المواطن والشارع، ويُتقنون ميزان الحساسية الاجتماعية، ويدركون أن السلطة ليست نفوذًا فوقيًّا، بل خدمة عمومية يومية. وإذا أرادت الدولة أن تعزز حضورها الترابي بثبات ونجاعة، فإن المدخل الأساسي هو احترام مسار التدرج الكثير من القواد ورؤساء الدوائر والباشوات والكتاب العامون يستحقون الترقية، لكن تداخل وتدخل السياسة المتعفنة والحزبية الضيقة تحول دون ترقيتهم، يجب القطع مع منطق “الباراشوت”، لأنه مصدر أعطاب كثيرة، بعضها ظاهر وبعضها لا يُرى إلا حين يفوت الأوان. هذه ليست دعوة لرفض الكفاءات القادمة من قطاعات أخرى كالمالية مثلا وليس الماء والكهرباء القطاع المهم الذي يتطلب ان يكون له كما لقطاع الصحة والتعليم والي خاص لكل قطاع بالجهة والاقليم لماذا يحتكر والي الجهة حاليا كل شيء، ٱن الٱوان إلى احترام منطق المؤسسة، وتجربة الميدان، وحق المواطن في مسؤول يفهمه من جذوره لا من تقاريره. وفي النهاية، يبقى الخطر الأكبر في التعيين بالمظلة هو أنه يعطل أهم شيء في الإدارة الترابية، الثقة وإذا سقطت الثقة، سقط معها كل شيء آخر لا تنمية ولا تقدم ولا ازدهار.










