من بنسليمان تنفجر الحكاية من جديد، مدينة صغيرة بحجمها كبيرة بفضائحها، حيث تُدار الشؤون المحلية بمنطق الولاءات لا الكفاءات، وتوزَّع أموال الدعم الجمعوي كما تُوزع الغنائم في زمن السيبة. اليوم يجد رئيس الجماعة نفسه بين مطرقة القضاء وسندان الجمعيات التي صنعها على مقاسه، بعد أن أمرت المحكمة الإدارية بإرجاع 270 مليون سنتيم إلى خزينة الدولة.
قرار يضع الأصبع على جرح عميق في جسد الحكامة المحلية، ويكشف واقعًا مريضًا عنوانه الارتزاق، التلميع المصطنع، وغياب المحاسبة، في بنسليمان، الكل يمكن أن يصبح “كل شيء”. أستاذ. شاعر، كاتب، صحفي، حقوقي، محلل، منتج ومخرج سينمائي ، ومستشار، لكن الحقيقة الوحيدة الثابتة أن المال العام يُهدر في صمت، بينما القانون يحاول أخيرًا أن يستعيد صوته.

السم في العسل
لم يكن أحد يتوقع أن تتحول قضية دعم الجمعيات ببنسليمان إلى زلزال إداري وقضائي بهذا الحجم، لكن الحكم القطعي الصادر عن المحكمة الإدارية يوم 10 نونبر 2025 غيّر كل المعادلات، فبعد مدة من التسويف والمناورة، أمر القضاء بإرجاع 270 مليون سنتيم إلى الخزينة العامة، مبلغ ضخم وملف ثقيل يفتح الباب على مصراعيه أمام أسئلة محرجة حول طرق تدبير المال العام، وعلاقات الزبونية التي نسجها رئيس الجماعة مع جمعيات تُحسب عليه سياسيًا وتنظيميًا، القرار لم يُسقِط فقط ورقة التوت عن واقع تدبير الشأن المحلي، بل أعاد إلى الواجهة النقاش حول مسؤولية المنتخبين الذين يوزعون المال العمومي بسخاء على الموالين والمقرّبين، في غياب تام للشفافية والمحاسبة، تفاصيل الحكم ومسار الملف القضائي، تتجه الأنظار مجددًا نحو جماعة بنسليمان بعد التطورات القضائية الأخيرة التي وضعت رئيسها في موقف لا يُحسد عليه، عقب صدور حكم قطعي جديد عن المحكمة الإدارية يوم الإثنين 10 نونبر 2025 تحت رقم 5918، يقضي بالتنفيذ الفوري للحكم السابق وإرجاع مبلغ 270 مليون سنتيم إلى الخزينة العامة للمملكة، القضية التي تعود تفاصيلها إلى سنوات خلت، تتعلق بمبالغ مالية ضخمة منحتها الجماعة لمجموعة من الجمعيات المحلية التي تبين لاحقًا أن أغلبها موالية للرئيس ومقربين منه، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير توزيع الدعم العمومي وطرق صرفه، مصادر مطلعة أكدت أن مأمور التنفيذ سبق أن راسل رئيس الجماعة قبل حوالي شهر، مطالبًا إياه بالشروع في تنفيذ الحكم القضائي، غير أن هذا الأخير تقدّم، عبر دفاعه، بملتمس يلتمس فيه إيقاف التنفيذ بدعوى وجود صعوبة في التنفيذ، مبررًا ذلك بأن المبالغ قد تم صرفها فعليًا من طرف الجمعيات المستفيدة. إلا أن المحكمة الإدارية لم تقتنع بتلك المبررات، معتبرة أن المسؤولية القانونية تقع على عاتق الجماعة باعتبارها صاحبة القرار المالي، لتقضي بوجوب إرجاع المبلغ كاملاً إلى الخزينة العامة، في قرار حاسم يُعيد فتح ملف شائك ظل مثار جدل طويل. مدينة حبلى بالتناقضات وفي الوقت الذي ينتظر فيه الرأي العام المحلي الخطوات المقبلة لتنفيذ الحكم، يعيش الشارع السليماني حالة من الغليان، وسط اتهامات متزايدة باستشراء المحسوبية والولاءات الشخصية، حتى باتت المدينة، في نظر الكثيرين، “مختبرًا فريدًا للارتزاق والانتهازية”، حيث يمكن لأي شخص أن يتحول في لمح البصر إلى شاعر أو كاتب أو حقوقيا أو صحفيا أو محللا سياسيا أو حتى مستشار جماعي دون حسيب أو رقيب، هذا الواقع الملتبس يجعل من بنسليمان نموذجًا مصغرًا لأزمة الحكامة المحلية، حيث يتقاطع فيها المال العام مع السياسة، وتختلط فيها الجمعيات بالأحزاب والمصالح الخاصة، في غياب واضح للرقابة والمساءلة الحقيقية. الحساب قادم ولو بعد حين، قد يتأخر ميزان العدالة أحيانًا، لكنه لا يختل. فملف جماعة بنسليمان، بما يحمله من خروقات وتجاوزات، ليس سوى مرآة مصغّرة لما تعيشه جماعات أخرى في مختلف ربوع المملكة، حيث تُستغل الجمعيات كأذرع انتخابية، ويُنهب المال العام تحت غطاء التنمية والدعم الاجتماعي، اليوم وقد نطق القضاء بحكمه القطعي، لم يعد هناك مجال للمناورة أو الاختباء خلف الشعارات، فالقانون قال كلمته، والساكنة تنتظر الأفعال لا الأقوال، ربما لم تنته فصول القصة بعد مع ٱخرين، لكن المؤكد أن مرحلة الإفلات من العقاب بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأن الحساب قادم ولو بعد حين، لأن العدالة مهما طال الانتظار تعرف طريقها جيدًا إلى بنسليمان.









