في بنسليمان، يبدو أن الانتخابات لم تنتهِ ليلة إعلان النتائج، بل بدأت بعدها مباشرة مرحلة أكثر إثارة وهي مرحلة البحث عن الحقيقة داخل الصناديق، والمحاضر، والطعون القضائية.
افتتاحية السبت والاحد
حين يخرج مرشحون، من حجم الدكتور الميلودي البوزيري عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومحمد بنجلول عن العدالة والتنمية، للتشكيك في سلامة النتائج والحديث عن خروقات، فإن القضية لم تعد مجرد فرحة فائز وحسرة خاسر، وإنما أصبحت سؤالاً قانونياً وسياسياً مشروعاً، هل قالت صناديق الاقتراع كلمتها فعلاً، أم أن هناك من حاول أن يكتب لها سيناريو آخر بالمال والنفوذ والأساليب المشبوهة..؟ نحن بترونس بريس لا نتهم احد ولا نحكم على أحد، ولا نملك عصا القضاء ولا نوزع صكوك البراءة والإدانة. لكننا نعرف شيئاً واحداً، هو أن الانتخابات تحتاج إلى كثير من التبريرات بعد إعلان نتائجها، وتحتاج قبل كل شيء إلى كثير من الضوء. أما حكاية المال الانتخابي وشراء الذمم، التي تتردد في الأوساط المحلية ويشير إليها عامة الناس والخصوم، فإنها إن افترضنا كانت مجرد إشاعات فليثبت أصحابها الحجة والدليل وخطأها، وإن كانت هناك وقائع وأدلة فالمكان الطبيعي لها هو القضاء، وليس تداول الاشاعات والاخبار و” تفراق اللغا” بالمقاهي وبصفحات الفايسبوك و منصات التواصل الاجتماعي. والسخرية هنا أن بعض من يظنون أنهم اشتروا أصوات الناس قد يكتشفون متأخرين أن المال يستطيع شراء صوت، لكنه لا يستطيع شراء حكم قضائي. والأكثر إثارة أن النتائج المنشورة الخاصة ببنسليمان أظهرت فارقاً مهماً بين الترتيب الأولي والنتائج النهائية المتداولة، فقد انتهت المقاعد الثلاثة إلى مرشحين وهم قدامى جدد ياسين عوكاشا وكريم الزيادي والمرشح الجديد الوزير رياض مزور الذي فاز باستحقاق، بينما جاء المرشحين محمد بنجلولوالميلودي البوزيري في مراتب لاحقة. والآن إذا كان الطعن سيرفع فعلاً أمام الجهة القضائية المختصة، فإن السؤال الذي يهم الرأي العام ليس من يبكي ولا من يصرخ أكثر..؟ وإنما من يملك الحجة والدليل..؟ فالقضاء محليا معروف بنزاهة رجالاته والسادة الأفاضل احمد واهروش وكيل الملك ومصطفى اكاشي رئيس المحكمة نماذج نزيهة ونظيفة لا يشتغلون بالتعليمات والهواتف، ولا بعدد الأنصار في الشوارع، ولا بحجم الأموال التي قيل إنها صرفت في الحملة. القضاة النزهاء يشتغلون بالمحاضر، والوثائق، والشهادات، والوقائع الثابتة، ومدى تأثير أي خرق إن ثبت في سلامة العملية الانتخابية. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية لبنسليمان. فإذا اقتنع القضاء بأن ما قُدم أمامه من حجج ووقائع كافٍ لإعادة النظر في النتائج، فقد نكون أمام ثامن “كان” انتخابي في إقليم بنسليمان، أما إذا رفض الطعون، فسيكون على أصحابها أن يقبلوا بحكم المؤسسة القضائية وأن ينتقلوا من معركة الصناديق إلى معركة المعارضة السياسية. وفي الحالتين، هناك درس واحد يستحق أن يكتب بماء بارد، وهو أن الانتخابات ليست مزاداً علنياً، والناخب ليس سلعة، والصندوق ليس خزينة انتخابية، والقضاء وحده يستطيع أن يقول إن كانت النتيجة تعكس إرادة الناخبين أم أن وراءها ما يستوجب إبطالها. أما الذين يعتقدون أن شراء الذمم يمكن أن يصنع لهم مستقبلاً سياسياً، فنقول لهم بسخرية بنسليمانية خالصة. اشتروا ما شئتم بالمال لكن حاولوا شراء محامٍ جيد، لأن الصندوق انتهى دوره، والقاضي لا يقبل أموال الانتخابات كوثيقة إثبات!