لم يكن فوزي لقجع بحاجة إلى خصم سياسي كي يتهم و يحرج حكومة عزيز أخنوش؛، فقد تكفلت الأرقام بالمهمة وكانت كافية للإدانة..!

حين يقول السيد فوزي لقجع الوزير المنتدب المكلف بالميزانية إن 280 مليار درهم صُرفت في عهد حكومة اخنوش المنتهية ولايتها لدعم القدرة الشرائية، ثم يضيف أن أثرها كان، بحسب تصريحه، شبه منعدم، فإن السؤال لم يعد سياسياً ولا انتخابياً… بل أصبح سؤالاً يخص المال العام، أين ذهبت هذه الأموال..؟ ومن استفاد منها..؟ ولماذا لم يشعر المواطن بأثرها…؟
والأخطر أن الرقم لم يبقَ مجرد جملة انتخابية عابرة؛ فقد دفعت تصريحات لقجع «ترانسبيرنسي المغرب» إلى مراسلته مطالبة بتفاصيل الإنفاق والقطاعات المستفيدة وآليات تتبع الأثر.
وهنا تصبح الحكاية أكثر إثارة: 17 ملياراً سبق لعبد اللطيف وهبي، قبل أن يصبح وزيراً للعدل، أن طالب عزيز أخنوش بإعادتها إلى خزينة الدولة، في سياق الجدل حول أرباح شركات المحروقات. واليوم، بعد أن جلس وهبي في كرسي وزارة العدل، يبدو أن ذاكرة السياسة أصبحت قصيرة جداً… فالذي كان يطالب بالأموال بالأمس أصبح مطالباً اليوم بأن يشرح للرأي العام ماذا فعل من موقعه الحكومي.
أما رقم 13 ملياراً الذي يُتداول في ملف الأضاحي، فهنا يجب أن نكون دقيقين، نزار بركة نفسه أوضح أنه لم يصرح بأن الدعم بلغ 13 ملياراً، وأن الرقم ورد في وثيقة تقنية لوزارة المالية، مع وجود خلط بين الدعم المالي والنفقات الجبائية. وبين 17 ملياراً و13 ملياراً و280 ملياراً، يجد المواطن نفسه أمام آلة حاسبة لا أمام حكومة…!
ثم تأتي الأرقام الأخرى المتداولة في النقاش السياسي، ومنها حديث مليارات لحسن السعدي 30 ملياراً واتهامات مرتبطة بوساطة أو نفوذ سياسي؛ وهذه انا كصحفي لا اريدها أن تحولها الصحافة إلى حقائق ثابتة قبل وجود وثائق أو تحقيقات أو أحكام قضائية تؤكدها.
لكن سؤال الكبير الذي يطرحه بمنبر ترونس بريس لا يحتاج إلى مزيد من المزايدات وهو، إذا كان مبلغ 280 مليار درهم قد صُرف فعلاً دون الأثر المنتظر، فمن المسؤول عن تقييمه..؟ ومن راقبه..؟ ومن سيحاسب عن نتائج هذا المبلغ المرعب..؟
فالمغربي الفقير والبسيط ” المخليا دار بوه” لا يريد خطباً انتخابية ولا معارك حزبية بين لقجع وأخنوش ووهبي وبركة وغيرهم. يريد أن يعرف فقط: كم دُفع…؟ ولمن دُفع..؟ و لماذا دُفع..؟ وماذا عاد على المواطن..؟ وهنا تحديداً تتحول تصريحات فوزي لقجع من مجرد «قنبلة انتخابية» إلى فاتورة سياسية مفتوحة على طاولة المحاسبة.
والأغرب أن السياسيين الذين يتحدثون اليوم عن المال العام كانوا بالأمس يجلسون حول نفس الطاولة الحكومية…!
يا سادة… المال العام ليس مال حزب، ولا مال حكومة، ولا مال وزير. إنه مال المغاربة. ولذلك، عندما يقول مسؤول حكومي إن مئات المليارات صُرفت ولم تحقق أثرها، فإن السؤال الصحفي الطبيعي ليس: من انتصر في الانتخابات..؟ بل من سيحاسَب على الفاتورة..؟ ومن سيشرح للمغاربة أين اختفت آثار الـ280 مليار..؟
الكرة الآن في ملعب النيابة العامة
بعد أن خرجت أرقام بمئات المليارات إلى العلن، لم يعد الأمر مجرد سجال بين مسؤولين أو مادة للاستهلاك الانتخابي. الكرة الآن في ملعب النيابة العامة، التي يظل من صميم اختصاصها، متى توفرت المعطيات القانونية الكافية، أن تتحقق من الوقائع وتفتح ما يلزم من أبحاث لتحديد المسؤوليات.
فإذا كانت الأموال العمومية قد صُرفت وفق القانون، فلتخرج الوثائق وتُغلق أبواب التأويل. وإذا كشفت الأبحاث عن اختلالات أو أفعال يجرمها القانون، فلتتحمل كل جهة مسؤوليتها أمام القضاء.
المغاربة لا يريدون اتهامات متبادلة ولا أرقاماً تُرمى في الهواء كما أسلفت ٱعلاه، يريدون الحقيقة كاملة، والوثيقة كاملة، والمسؤولية كاملة. فالمال العام ليس رقماً في خطاب سياسي، بل أمانة في ذمة الدولة، ومن حق المواطن أن يعرف أين صُرف، وكيف صُرف، ومن استفاد منه.
الكرة الآن في ملعب النيابة العامة… والكلمة الفصل يجب أن تكون للقضاء والقانون، وليس للانتخابات ولا للمزايدات السياسية.









