حزب المقاطعين الغاضبين يهزم 27 حزباً… فمن سيحكم و باسم من ..؟

هناوي الهادي25 سبتمبر 2026Last Update :
حزب المقاطعين الغاضبين يهزم 27 حزباً… فمن سيحكم و باسم من ..؟

أجمل شيء شهدته الانتخابات الأخيرة هو نقطة تستحق أن تسجل للإدارة الترابية.. بدل أن تدفن وسط ضجيج الأحزاب، رأيت الولاة والعمال والكتاب العامين وكل رجال السلطة ظلوا حسب وجهة نظري بعيدين عن إظهار أي تدخل ولا تفضيل انتخابي، ولم تسجل اتهامات علنية من الأحزاب بتدخل السلطة لصالح مرشح أو حزب بعينه. كما أن الإطار القانوني للانتخابات شدد صراحة على حياد الإدارة ومنع الموظفين العموميين من التأثير في اختيار الناخبين وهذه في حد ذاتها، نقطة مضيئة في انتخابات كثرت فيها الاتهامات المتبادلة بين السياسيين، حين تلتزم الإدارة الحياد، يصبح على الأحزاب أن تتحمل وحدها مسؤولية نتائجها، فلا تنسب فشلها إلى العامل أو الوالي، ولا تنسب نجاحها إلى الهاتف الإداري السحري..!

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة، لا المؤتمرات الصحفية، هل يستطيع «البام» تحويل صدارة انتخابية إلى أغلبية حكومية، وهل ستنجح لغة «اليد الممدودة للجميع» في محو قاموس المعركة الانتخابية، أم أن بعض الخصومات التي اشتعلت تحت أضواء الحملة ستعود لتظهر عندما تبدأ عملية توزيع مفاتيح الحكومة..؟ على العموم انتهت الحملة الانتخابية وأغلقت الصناديق وبدأت الأحزاب في عد المقاعد و تقاسم الكعكة، وكأن المغرب كله كان جالسا أمام مكاتب التصويت ينتظر لحظة الخلاص السياسي، لكن الصدمة جاءت من مكان آخر، الشعب نفسه كان لديه رأي مختلف، واختار أن يقول كلمته بطريقة لا تحتاج إلى ورقة ولا قلم، وهي المقاطعة..!
لقد شارك في الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر حوالي ستة ملايين ناخب، أي بنسبة وطنية في حدود 38.02 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية، مقابل عزوف يقارب 9.8 ملايين من المسجلين.

وهذه ليست مجرد خانة إحصائية باردة في بلاغ لوزارة الداخلية، إنها رسالة سياسية تستحق أن تتوقف أمامها الأحزاب طويلاً، بدل أن تبدأ منذ صباح اليوم التالي في توزيع التهاني و ارتداء بدلات الانتصار. وهنا يصبح السؤال مشروعاً، ماذا فعلت كل هذه الأحزاب طوال السنوات الماضية حتى أصبح جزء كبير من المغاربة يفضل البقاء بعيداً عن الصندوق..؟
لدينا 27 حزباً دخلت السباق، و حملات انتخابية، و مهرجانات خطابية، و لافتات و وعود بالجملة، و تصريحات تكاد تجعل المغرب في طريقه إلى أن يصبح دولة الرفاهية المثالية بمجرد أن يضع المواطن ورقته في الصندوق.
لكن عندما جاءت ساعة الحقيقة، قال عدد كبير من الناخبين شكراً… لا نريد..! وهنا المفارقة التي تستحق أن تكتب بماء السخرية لا بحبر البيانات الحزبية 27 حزباً ركضت وراء الناخب، والناخب قرر أن يهرب منها راكضا ..! والأغرب أن بعض القيادات خرجت علينا اليوم لتعلن انتصارها التاريخي، وكأنها حصلت على تفويض شعبي كاسح، بينما الأرقام تقول إن المشاركة الوطنية لم تتجاوز 38.02 في المائة من المسجلين.
ليس المقصود هنا التشكيك في النتائج أو في شرعية المقاعد التي أفرزتها صناديق الاقتراع فالانتخابات لها قواعدها ونتائجها القانونية. لكن السؤال السياسي الذي لا يمكن دفنه تحت أكوام البيانات الحزبية هو، لماذا لم تنجح الأحزاب في إقناع الأغلبية الصامتة بالمشاركة..؟ الدستور نفسه يحمل الأحزاب وظيفة واضحة وهي تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وتدبير الشأن العام.
فإذا كان المواطن قد ابتعد عن السياسة، فليست وزارة الداخلية وحدها من ينبغي أن تسأل أين ذهب الناخب..؟ بل ينبغي للأحزاب أن تسأل نفسها أيضاً، أين ذهبنا نحن من المواطن..؟ لقد تحولت السياسة، في نظر قطاعات من المجتمع، من مدرسة لتكوين المواطن إلى موسم انتخابي موسمي يظهر فيه السياسي فجأة، يوزع الوعود وأحيانا المال و يعانق ويصافح الأيدي ويلتقط الصور مع الفقراء، ثم يعود إلى مكتبه بعد إعلان النتائج.
ولهذا ربما لم يعد «حزب المقاطعة» بحاجة إلى أمين عام ولا مقر مركزي ولا لجنة تنفيذية ولا مؤتمر وطني إنه حزب بلا مناضلين، بلا ملصقات، بلا مهرجانات، وبلا ميزانية للحملة… ومع ذلك استطاع أن يفرض نفسه رقما سياسيا لا يمكن تجاهله.
أما المفارقة الثانية فهي أن صناديق الاقتراع لم تنتج برلمانا بلا أغلبية كما قد يوحي الانطباع الأول، فالنتائج المؤقتة المعلنة أظهرت تقدم الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 ثم الاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54 إلى جانب بقية الأحزاب وبعملية حسابية بسيطة، فإن الأصالة والمعاصرة + التجمع الوطني للأحرار + الاستقلال = 228 مقعداً، أي أكثر من نصف مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 395. إذن لا توجد ضرورة حسابية للحديث عن حكومة أقلية في هذه اللحظة، وإن كان شكل التحالف الحكومي النهائي لا يمكن الجزم به قبل المشاورات السياسية. والدستور واضح رئيس الحكومة يعينه الملك من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.
ومن هنا تبدأ المرحلة الأكثر إثارة هل يستطيع الحزب المتصدر أن يبني أغلبية حكومية مستقرة..؟ ومن سيكون حليفه..؟ ومن سيدخل الحكومة ومن سيكتفي بمقاعد المعارضة..؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة، وليس بيانات النصر والفوز التي ستتنافس الأحزاب على نشرها.
أما المواطن الذي بقي خارج الصندوق، فلا ينبغي أن يعامل باعتباره مجرد رقم في خانة «لم يصوت» إنه، قبل كل شيء، رسالة سياسية والسياسة الذكية لا تخاف من الرسائل الصعبة، بل تقرأها، فقد يفوز الحزب بالمقاعد وقد تتشكل الحكومة، وقد توزع الحقائب، وقد تبدأ مشاورات الأغلبية ، لكن يبقى السؤال الذي لا تستطيع أي أغلبية برلمانية أن تمحوه، كيف تستطيع الأحزاب أن تتحدث باسم الشعب، بينما جزء كبير من الشعب اختار ألا يتحدث باسمها..؟ هنا تحديداً ينبغي أن يبدأ النقاش الحقيقي بعد الانتخابات، لا أن ينتهي بإعلان النتائج. و الخلاصة الحسابية المهمة، هي لا يوجد اي حزب عنده الأغلبية إلا إذا كان هناك تحالف ثلاثي بين الأحزاب الثلاثة الاستقلال والاحرار والأصالة بهذا قد يصلون إلى 228 مقعداً. أما هل سيتحالفون فعلاً أم لا.. شخصيا كصحفي أرى القضية ستكون جد معقدة..؟ كل حزب من الثلاثة يريد أن يكون أمينه العام رئيسا للحكومة..؟ القرار يبقى بمرمى القصر و شأن ستحدده المشاورات السياسية، مع بقاء القاعدة الدستورية .

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News