افتتاحية الأسبوع

شهد البرلمان، يوم أمس الاثنين فاتح دجنبر 2025، واحدًا من أكثر المشاهد عبثًا خلال هذه الولاية، حين تحولت الجلسة التشريعية إلى فضاء للتشنج بدل النقاش الديمقراطي. بطل هذه الواقعة هو رئيس الجلسة المنتمي لحزب الاتحاد الذي كان يومًا ما حزبًا مؤثرًا، قبل أن ينحدر إلى أدوار باهتة لا تليق بتاريخه كحزب عريق.
رئيس جلسة يوم الفاتح من دجنبر ما صدر عنه من استفزاز مباشر لعدد من النواب، وتحديدًا لنائبة ونائب العدالة والتنمية عبد الصمد حيكر كشف مستوى غير مسبوق من الانفلات. رئيس الجلسة كرّر عبارة “ما نعطيكش” مرات متتالية، وقال لنواب العدالة والتنمية ” انتم ماركسيون” قبل أن يوجّه إلى النائب حيكر تنبيهًا ثم يأمر الأعوان صارخا “خرجوه من القاعة”، في سلوك أرعن وديكتاتوري يوحي وكأن المؤسسة الدستورية ملك خاص به يتصرف فيه بسلطة فوق القانون، وليس فضاءً يمثل الأمة، هذا الانفجار تحت القبة لا يأتي من فراغ، بل يعيد إلى الواجهة الجدل المتواصل الذي يلاحق هذا الاتحادي المتذبذب وعبد اللطيف وهبي، الوزير الذي صار اسمه مقترنًا بالتوتر أينما حلّ. فمن ردوده الانفعالية مثل عبارته الشهيرة “ولدي عند جوج الاجازات باه عندو لفلوس ؤقراه في كندا” الرجل وجد نفسه وسط عواصف سياسية لا تهدأ. هو جوهر الجدل الذي يدور حوله، الصفقة العقارية المثيرة، تظل القضية الأشد وقعًا، بعد تداول شبهات تتعلق بمنح صفقة عقارية فاخرة لزوجته بثمن تفضيلي، و” الضريبة” ما فتح أبواب الاتهامات حول استغلال النفوذ والإثراء غير المشروع، وأعاد النقاش حول “مغربين” مغرب المواطن العادي، ومغرب أصحاب الامتيازات. التصريحات التي تُشعل الساحة لا يكاد صاحبنا الوزير يُدلي بتصريح حتى يتحول إلى موضوع سجال. سواء تعلق الأمر بالرقمنة داخل الإدارة القضائية أو المواقف من الاحتجاجات، فإن حضوره الإعلامي كثيرًا ما يخلق توترًا إضافيًا بدل تقديم رؤية هادئة للإصلاح. وهناك من يرى ان أسلوب وهبي السياسي يصنع الجدل لتصدر المشهد، وهناك من يعتبره صاحب رؤية يريد فرضها حتى ولو أثارت الضجيج. لكن المؤكد أن طريقته تزيد من احتقان المشهد الحزبي والبرلماني، لكن ما حدث داخل البرلمان ليس مجرد حادث عرضي، بل يمثل مرة أخرى اختلالًا في تدبير السلطة داخل المؤسسة التشريعية، وانزلاقًا خطيرًا عن قواعد النقاش الديمقراطي. والمؤسف أن هذه الفوضى تُدار بأدوات شخصية، بينما ينتظر المواطنون نقاشًا مسؤولًا يتناول مشاكلهم الحقيقية. وليس سُلطة تتجاوز حدودها ووزير يشعل الحرائق بدل إطفائها، فوضى البرلمان اليوم حلقة جديدة في مسلسل الاحتقان الذي فجّره وزير العدل عبد اللطيف وهبي منذ اليوم الأول لجلوسه على الكرسي. الوزير الذي يُلقّبه كثيرون بـ “وزير التقاشر” في إشارة إلى تصريحاته غير موفقة وسمجة زد عليها مواقفه المتعالية ، الرجل يبدو وكأنه جاء إلى الحكومة لا من أجل إصلاح قطاع العدالة، بل من أجل تصفية الحسابات مع كل مكوّناته، بدأ بالقضاة ومرّ بالمحامين ثم وصل الدور إلى الأعوان القضائيين، وكل من يقترب من دائرته يجد نفسه هدفًا لنزقه وهي خفة وطيش في الصغيرة والكبيرة، على العموم فوضى جلسة 1/12/2025، افتعلها الاتحادي رئيس الجلسة حين تجاوز صلاحياته واعتبر القاعة “ضيعة خاصة”، ليست منفصلة عن هذا المناخ. لكن حين يُعطى الضوء الأخضر لسياسيين يتصرفون بأسلوب فوقي وعدائي، تصبح المؤسسات مسرحًا للفوضى، ويصبح طرد نائب برلماني من القاعة أمرًا عاديًا بل “وجهًا جديدًا” من وجوه العبث المُشرعن. الوزير وهبي يوزع العداء بدل الإصلاح منذ أن تولّى حقيبة العدل، كان واضحًا أنه يفضل افتعال معارك طالما حلم بها، وهي حقده وصداماته مع القضاة التي تحولت إلى جراح لم تلتئم إلى اليوم. ومواجهاته مع المحامين التي عطّلت السير العادي للمحاكم وأدخلت القطاع في نفق مظلم. وأخيرًا، هجماته على الأعوان القضائيين عمّقت الشعور بأن الوزير يشتغل بمنطق الثأر، لا بمنطق بناء قطاع حساس يمس حقوق المواطنين. ما وقع في الفاتح من شهر دجنبر كان آخر مسمار في مصداقية وزير يفترض فيه أن يكون قدوة في النزاهة.. وزير بهذه العقلية لا يمكنه أن يصلح العدالة. مملكتنا بحاجة إلى وزير لا يهدد الكل بالسجن ولا يبحث عن المعارك الوزير الذي يشعل الحرائق لا يمكن أن يكون رجل دولة بل جزءًا من المشكلة.









