وزير العدل عبد اللطيف وهبي يرافع والمحامون في قفص الانتظار

هناوي الهادي24 ديسمبر 2025Last Update :
وزير العدل عبد اللطيف وهبي يرافع والمحامون في قفص الانتظار

قراءة وتحليل

حين يكتب الوزير القانون… ويُنسِي المحامين القلم
يبدو أن وزارة العدل قررت هذه المرة أن تُمارس المحاماة بالنيابة عن المحامين، وأن تصوغ مستقبل المهنة من مكاتب مكيفة، بعيدًا عن قاعات التمرين، ونبض الهيئات، وهموم أصحاب البذلة السوداء. فمشروع القانون الجديد لولوج مهنة المحاماة لم يُطرح كأرضية نقاش، بل قُدّم كـ«أمر واقع»؛ خُطَّت بنوده بقلم واحد، ووقّعت عليه إرادة واحدة، وغاب عنه من يُفترض أنهم أهل الدار وحراسها.
المفارقة أن المشروع يتحدث كثيرًا عن الاستقامة، الكفاءة، حسن السلوك، لكنه أغفل شرطًا جوهريًا واحدًا: الإنصات. فلا إشراك فعلي للهيئات، ولا تشاور حقيقي مع المهنة، وكأن المحاماة مجرد مسار إداري آخر، لا سلطة مستقلة ولا تاريخ نضالي ولا دور دستوري في حماية الحقوق والحريات مشروع يرفع السقف الأكاديمي إلى مستوى الماستر، وكأن أزمة العدالة كانت يومًا في الشهادات لا في السياسات. ويضيف سنة تكوين في معهد «متخصص» لم تتضح معالمه بعد، في بلد لا تزال فيه مؤسسات التكوين تعاني من اختلالات بنيوية. ثم يمدّ فترة التمرين إلى 24 شهرًا، في وقتٍ يعجز فيه كثير من المتمرنين عن تغطية مصاريف التنقل والكراء، ناهيك عن العيش الكريم. الأكثر إثارة للسخرية أن المشروع صمت ببلاغة عن الجانب المالي، لا لأنه حريص على المتمرنين، بل لأنه ترك الباب مواربًا لكل التأويلات، وكأن الرسالة غير المعلنة هي ادخل أولًا وسنخبرك لاحقًا بثمن الدخول. تشريع يُشرّع الغموض، ويُقنن القلق، ويترك شريحة واسعة من الشباب بين مطرقة الانتظار وسندان المجهول.
رفض هيئة المحامين بالدار البيضاء لم يكن انفعالًا عابرًا، بل إنذارًا مبكرًا بأن المهنة ترفض أن تُدار بمنطق الوصاية، أو أن تُختزل في مرسوم فوقي. فالمحاماة ليست ملحقًا إداريًا لوزارة، بل شريكًا دستوريًا في تحقيق العدالة، وأي قانون يولد دون رضى أهله، سيكبر معطوبًا مهما حَسُنَت نواياه باختصار، نحن أمام مشروع لا يطرح سؤال كيف نُصلح المهنة؟ بل يجيب مسبقًا عن سؤال آخر كيف نُدبّرها من فوق..؟ وشتّان بين الإصلاح بالشراكة والإصلاح بالبلاغات.
أعتقد أن السيد وزير العدل قرر أخيرًا أن يحسم الجدل حول مهنة المحاماة؛ لا حاجة للمحامين، لا لهيئاتهم، ولا لتاريخهم، ولا حتى لتمثيلياتهم القانونية. فالقانون الجديد لولوج المهنة كُتب بمنطق بسيط أنا أقرر، وأنتم تتأقلمون. أما الحوار، فترفٌ غير ضروري في زمن التشريع السريع. مشروع قانون وُلد من رحم المكاتب المغلقة، ونُزّل على المهنة كما تُنزّل الضرائب المفاجئة؛ دون استشارة، دون نقاش، ودون حتى مجاملة شكلية. قانون يتحدث عن الشرف والمروءة، لكنه يفتقد لأبسط قواعد الاحترام المؤسساتي، ويُشرّع للمحاماة دون أن يسأل المحامين رأيهم، وكأنهم غرباء عن مهنتهم. يرفع المشروع شرط الولوج إلى مستوى “الماستر”، لا لأن العدالة تعاني من نقص في الكفاءات، بل لأن المنطق السائد هو كلما صعّبنا الولوج، بدا الإصلاح أكثر أناقة. ثم يضيف سنة تكوين في معهد غامض الاسم والوظيفة، يليه تمرين مهني يمتد لعامين، دون أي حديث جدي عن الوضع الاجتماعي للمتمرنين، أو كلفة هذا المسار، أو من سيتحمل فاتورته. إصلاح على الورق، وتقشّف في الواقع. والأجمل في هذا النص التشريعي أنه صامت صمتًا مريبًا عن المال. لا رسوم، لا توضيح، لا التزام. صمت يُقرأ بطلاقة ادخلوا أولًا… وسنُخبركم لاحقًا كم ستدفعون. تشريع يؤجل الصدمة بدل أن يمنعها، ويُقنن الغموض بدل أن يحسمه. رفض هيئة المحامين بالدار البيضاء لم يكن “نزوة نقابية” كما قد يُروَّج، بل صفعة قانونية لمشروع يتعامل مع مهنة دستورية كأنها شعبة تكوين مهني خاضعة للوصاية. فالمحاماة ليست امتيازًا تمنحه الوزارة، ولا وظيفة تُنظم بقرار فوقي، بل سلطة موازية في ميزان العدالة، وأي محاولة لتطويعها بالقانون ستنتهي حتمًا بصدام؛ خلاصة القول هذا ليس قانون إصلاح، بل قانون تدبير من فوق. ليس رؤية لتطوير المهنة، بل محاولة لإعادة ترتيبها دون أهلها. قانون يطالب المحامي بالاستقامة، لكنه يسلك طريقًا أعوج في التشريع. وفي انتظار أن يكتشف السيد الوزير أن العدالة لا تُدار بمنطق التعليمات، وأن المحاماة لا تُختزل في بنود، سيظل هذا المشروع شاهدًا على مرحلة تُشرّع كثيرًا… وتُصغي قليلًا.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News