المنابر المدعومة لم تُنتج خدمة عمومية، بل أغرقت الفضاء الإعلامي في التفاهة والتشهير والإثارة الرخيصة وضرب القيم

هناوي الهادي17 ديسمبر 2025Last Update :
المنابر المدعومة لم تُنتج خدمة عمومية، بل أغرقت الفضاء الإعلامي في التفاهة والتشهير والإثارة الرخيصة وضرب القيم

افتتاحية الاسبوع

 لم تكن جلسة المساءلة الشهرية بمجلس النواب قبل يومين وبالضبط يوم الاثنين 15 دجنبر، محطة رقابية عادية تُستكمل فيها طقوس الكلام البرلماني، بل تحولت إلى محاكمة سياسية علنية لسياسة حكومية اختارت العبث بأحد أخطر القطاعات، الإعلام فما انكشف داخل القبة لم يكن اختلافًا في وجهات النظر، بل سقوطًا مدويًا لخطاب رسمي يتغنى بدعم التعددية والمهنية، بينما يمارس على الأرض نقيضهما بالكامل، ملف دعم المقاولات الإعلامية خرج إلى العلن عاريًا من كل مساحيق التجميل. دعم قُدِّم للرأي العام كآلية لإنقاذ الصحافة، فإذا به يتحول، في ظل وزارة الاتصال الحالية، إلى قناة لتبديد المال العام، وإعادة تدوير الريع، ومكافأة الولاءات بدل تشجيع الجودة والاستقلالية.

بصفتي صحفيًا متابعًا للشأن العام، لا أجد في ما قاله الأمين العام لحزب الحركة الشعبية محمد أوزين سوى توصيف دقيق لواقع إعلامي مختلّ، واقع يُعاش يوميًا ولا يحتاج إلى كثير من التمويه. غير أن ما عجّل بالتدخل وإبداء الرأي هو الرد الانفعالي الذي صدر عن مالك الموقع “المثير للشبهات”، والذي اختار لغة السبّ والتجريح بدل مناقشة جوهر الاتهامات. الرجل الذي ضاقت أنفاسه عند الحديث عن “الفراقشية”، تناسى أو تَناسَى أنه واحد من كبار المستفيدين من المال العام، حيث تُصرف له من خزينة الدولة مبالغ تُقدَّر بمئات الملايين، تقترب من مليارين، في مشهد يختزل منطق “البزولة” التي يدافع عنها بشراسة، مسنودًا في ذلك بعلاقته الوطيدة بوزير الشباب والثقافة والتواصل . وفي خضم هذا الصخب المصطنع، جرى طيّ صفحة فضائح مدوية، من قبيل ملف 17 مليار سنتيم وقفف “جود”، كما تبخرت الوعود الوردية التي سوقها رئيس الحكومة وحزبه للشعب، لتنكشف الحقيقة عارية، إعلام مأجور، ومال عمومي بلا محاسبة، وخطاب حكومي فقد كل مصداقية.
 إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد سجال إعلامي عابر، بل لحظة سياسية كاشفة، سقطت فيها الأقنعة دفعة واحدة. فحين يتحوّل المال العمومي إلى أداة لتدجين الإعلام، ويُستعمل الدعم العمومي لشراء الصمت أو التهليل، فإن المسؤولية لا تعود أخلاقية فقط، بل سياسية بالدرجة الأولى. مسؤولية حكومة اختارت الاحتماء بجدار من الدعاية والتطبيل بدل مواجهة الأسئلة الحقيقية، ومسؤولية وزارات تُشرف على توزيع المال العام دون ربطه بالمحاسبة أو الأثر، ومسؤولية أغلبية صمتت عن هذا الانحراف لأنها المستفيد الأول منه. في هذه اللحظة الفاصلة، لم يعد مقبولًا خلط النقد بالتشهير، ولا اعتبار مساءلة الدعم العمومي عداءً لحرية الصحافة. الحرية لا تُموَّل بالصكوك، ولا تُقايَض بالولاء. ومن يتهرب من النقاش الجاد، ويستعيض عنه بالصراخ والتخوين، إنما يقدّم دليل إدانته بيده. هنا يصبح السؤال سياسيًا بامتياز، من يحمي هذا النموذج..؟ ومن يستفيد من استمراره..؟ ومن يملك الجرأة لوقف نزيف المال العام قبل أن يتحوّل الإعلام إلى عبء على الديمقراطية بدل أن يكون رافعتها..؟
 نحن أمام لحظة سياسية لا تقبل الرماد في العيون. فحين يُحوَّل المال العمومي إلى غطاء دائم للفشل، وإلى وسيلة لإدامة الولاء بدل خدمة الصالح العام، فإن الحديث لم يعد عن اختلالات تقنية، بل عن خيار سياسي كامل الأركان. خيار يسمح باستنزاف خزينة الدولة تحت عناوين براقة، بينما تُقايَض الاستقلالية الإعلامية بالصمت، وتُكافأ الرداءة لأنها أكثر طواعية. المسؤولية هنا واضحة ولا تحتاج إلى أقنعة، أكرر المسؤولية تتحملها حكومة تشرف على صرف المال العام دون أن تجرؤ على ربطه بالمحاسبة الصارمة، وأيضا مسؤولية قطاعات وزارية تعلم جيدًا أين تذهب الملايير، لكنها تختار غضّ الطرف لأنها مستفيدة من نتائج هذا الريع السياسي-الإعلامي. أما المستفيدون من هذه الوضعية، فقد اعتادوا الاختباء خلف شعارات حرية الصحافة، بينما يمارسون أعتى أشكال الافتراس للمال العمومي دون أثر يُذكر على حق المواطن في إعلام مهني مستقل. هذه ليست معركة مع الصحافة، بل مع الريع. وليست مواجهة مع حرية التعبير، بل مع من صادرها وجعلها امتيازًا مدفوع الثمن. وكل من يرفض اليوم فتح هذا الملف على مصراعيه، أو يهاجم من يثيره، إنما يضع نفسه موضوعيًا في خانة الدفاع عن تبديد المال العام، مهما حاول الاحتماء بالضجيج أو التخوين. هنا، يصبح الصمت تواطؤًا، ويغدو استمرار هذا النزيف قرارًا سياسيًا تتحمّل مسؤوليته الأغلبية قبل غيرها.

هنا، لم يعد السؤال،  ” من استفاد..؟ بل لماذا استفاد..؟ وبأي حق وبأي منطق..؟ ولأي غاية..؟” حين وضع محمد أوزين اصبعه على هذا الجرح، لم يكن يمارس المعارضة من أجل المعارضة، بل كان ينطق بما اهمس به أنا كضحية متضرر و يهمس به كل المهنيون المتضررون في الكواليس منذ سنوات. أي منطق هذا الذي يرفع شعار دعم المقاولة الصغرى، ثم يضخ الملايير في حسابات مقاولات إعلامية عملاقة، راكم أصحابها الثروة والنفوذ من المال العمومي، دون أن ينعكس ذلك لا على جودة المنتوج، ولا على أخلاقيات المهنة، ولا على خدمة المواطن..؟ الأخطر من الدعم ذاته هو الطريقة التي دُبِّر بها. دعم بلا تنافس حقيقي، بلا شفافية، وبلا أثر قابل للقياس. مقاولات كانت تعرف مسبقًا أنها “الرابح الدائم”، بعد لقاءات مغلقة وشروط مفصلة على المقاس، في مقابل خنق ممنهج لمقاولات صحفية جادة، تؤدي الضرائب، وتحترم القانون، وتقاوم يوميًا للبقاء خارج منطق الاصطفاف والابتزاز. وإذا كان المال العام قد صُرف بسخاء، فإن المهنية كانت أول الضحايا. منابر مدعومة لم تُنتج خدمة عمومية، بل أغرقت الفضاء الإعلامي في التفاهة و ” لحموضة” والتشهير، والإثارة الرخيصة، وضرب القيم، بشهادة ممثلي الأمة أنفسهم. مفارقة فجة، الرداءة تُكافأ، والاستقلالية تُعاقَب، والالتزام المهني يُقصى، دعم الإعلام، كما قيل تحت قبة البرلمان، ليس منحة بلا شروط، بل تعاقد أخلاقي مع المجتمع. غير أن ما نشهده اليوم هو إعلام مُستعمل كأداة ضغط، ومنابر تُشهر سيفها في وجه كل صوت مستقل، وتهاجم الصحافة الجادة لأنها ترفض لعب دور الكومبارس في مسرح سياسة حكومة فاشلة. هنا لا يعود الحديث عن حرية الصحافة، بل عن انتحال صفة الإعلام. ولأن الخلل واحد، لم يكن غريبًا أن يربط أوزين هذا العبث الإعلامي بفشل الحكومة في ملف التشغيل. نفس العقلية التي تخنق المقاولات الصغرى جدًا، هي التي تعبث بدعم الإعلام. أرقام صادمة، أكثر من 40 ألف وحدة إنتاجية تُغلق سنويًا حسب محمد اوزين، ليس لأنها ضعيفة، بل لأن الإدارة قاسية، والمساطر قاتلة، والسياسات طاردة للمبادرة، حين تشكل المقاولات التي لا يتجاوز عدد مستخدميها ثلاثة أشخاص ما يقارب 88 في المائة من النسيج الاقتصادي، ثم تُعامل كأنها شركات عملاقة، فنحن أمام سياسة ممنهجة لسد الأفق، لا لفتحه. وفي ظل هذا العبث، يصبح قول القيادي الحركي أوزين حقيقة مُرة، لكي تكون مقاولة صغيرة في المغرب، عليك أن تكون إما شجاعًا إلى حد التهور، أو أحمق إلى حد الانتحار. أما الصفقات العمومية، فالصورة أكثر قتامة، دفاتر تحملات مفصلة على المقاس، منافسة صورية، ونتائج محسومة سلفًا، حيث لا تنتصر الجودة ولا الابتكار، بل القرب من دوائر القرار. وهكذا تكتمل اللوحة، إعلام مدعوم بلا محاسبة، مقاولات صغرى مخنوقة، ومال عام يُصرف خارج أي منطق للعدالة أو الشفافية، ما كُشف داخل برلمان ليس رأيًا عابرًا ولا مزايدة سياسية، بل اتهام أخلاقي صريح لسياسة حكومية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News