تكلمنا وتكلموا عن ما سميناه “جرافات الهدم” ولم يكن اي احد منصف، لماذا لأنها جرافات الإصلاح وليس الهدم وهي منتشرة بربوع المملكة وبنسليمان ليس استثناء، نعم بنسليمان حيث أصبح الكلام والانتقاد أسهل من العمل و الغيرة و التفكير، بنسليمان لا تحتاج إلى ديماغوجيين أشباه سياسيين يجيدون “تفراق اللغا” و توزيع التهم بل إلى رجال منتخبين غيورين يتحملون المسؤولية.
من المضحك المبكي أن يتحول بعض المنتخبين ببنسليمان إلى خبراء في “لفهامة” وتشخيص أعطاب المدينة، بمجرد أن يجدوا أمامهم من يحملونه مسؤولية التقصير و الفشل، وكأنهم لم يسافروا إلى عواصم عالمية ورأوا كيف هي متقدمة . قبل سنوات سألت السيد الدهي خليل الرئيس الأسبق قلت له أنتم سافرتم لدول أوروبية ورأيتم التقدم والتنمية ولم تفكروا ولو في نقل وتطبيق ولو خمس غرامات من أطنان المشاريع التي شاهدتموها لا جواب والصمت أحيانا سذاجة وليس حكمة، مرت سنوات على السؤال والقرية هي القرية، كأني بالمنتخبين لم يقضوا سنوات داخل المجالس المنتخبة، وكأنهم لم يجلسوا حول طاولات الدورات والتداول والتصويت، للأسف لم تكن التنمية المحلية يوما من صميم اختصاصاتهم ومسؤولياتهم، إن أخطر ما ابتليت به بنسليمان ليس فقط انعدام المشاريعتعثر بعض المشاريع أو تعثرها أو تأخر أوراش التنمية، بل بعض النكرات الحفاة العراة الذين تسلطوا على السياسة وعلى المدينة وساكنتها، والمضحك هو الجرأة السياسية الزائدة التي تدفع بعضهم إلى ارتداء ثوب الضحية، وتوجيه أصابع الاتهام نحو عامل الإقليم وباشا المدينة، في محاولة مكشوفة للتنصل من مسؤولية لا يمكن أن تمحوها الخطب الرنانة ولا المناورات السياسية. فهل أصبح رجال السلطة شماعة جاهزة لتعليق كل الإخفاقات..؟، من جهة أخرى يكتفي بعض الشناقا والسماسرة وأصحاب الاختصاص الانتخابي بتوزيع صكوك الإدانة على الآخرين.
لنضع النقاط على الحروف ذاكرة بنسليمان، ومستقبلها العمراني والاقتصادي والاجتماعي، مسؤولية سياسية وتدبيرية لا يجوز إعفاء المنتخبين منها. فالمنتخب الذي نال ثقة المواطنين، وتولى تدبير الشأن المحلي، وصوت على الميزانيات والبرامج والمقررات، مطالب بأن يقدم حصيلة واضحة، وأن يفسر ما تحقق وما تعثر، وما أنجز وما ظل حبيس الوعود. أما أن يتحدث عن التخلف وكأنه مجرد متفرج جاء لتوه من مدينة أخرى، فذلك استخفاف بذاكرة السليمانيين قبل أن يكون تهرباً من المحاسبة. صحيح أن السلطة الإقليمية والمحلية تتحمل بدورها مسؤوليات في حدود اختصاصاتها، وأن التنسيق والتتبع والمراقبة والمحاسبة أمور أساسية، لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين مسؤولية العامل والباشا، باعتبارهما ممثلين للسلطة الإدارية، ومسؤولية المجالس المنتخبة التي أناط بها القانون تدبير شؤون الجماعة ومصالح السكان. فلا العامل هو الذي ينتخب لتسيير المجلس الجماعي، ولا الباشا هو الذي يُفترض أن يقدم للناخبين حصيلة برنامج انتخابي لم يضعه ولم يتعهد بتنفيذه. وبنسليمان التي تنتظر منذ سنوات مرافق تليق بسكانها، وأسواقاً منظمة، وتجهيزات حضرية حديثة، ومشاريع تنموية تنقلها من دائرة الترييف والتخلف والانتظار إلى رحاب التقدم، لا تحتاج إلى مزيد من تبادل الاتهامات، بل إلى منتخبين يملكون الشجاعة للاعتراف بالاختلالات، والجرأة لتقديم الحساب، والقدرة على تحويل الوعود الانتخابية إلى إنجازات ملموسة. أما أن يفشل السياسي في تدبير الشأن المحلي، ثم يخرج ليحاضر بالمقاهي في أسباب فشل المدينة، فهذه هي المفارقة التي تستحق أن تدرّس في معاهد السخرية السياسية. إن بنسليمان ليست ملكاً لهذا المنتخب أو ذاك، وليست رهينة الحسابات الحزبية ولا المصالح الانتخابية الضيقة. إنها مدينة لها تاريخ وذاكرة وحقوق، وأبناؤها ليسوا مطالبين بالتصفيق لمن يتقن تبرير التعثر، بل من حقهم أن يسألوا كل منتخب مسؤول ماذا قدم لبنسليمان..؟ وما الذي كان بإمكانه إنجازه ولم يفعله..؟ وفي المقابل، فإن مساءلة المنتخبين ينبغي أن تشمل أيضاً تضارب المصالح والإثراء غير المبرر، متى وجدت مؤشرات تستدعي التحقيق. فقد يلاحظ المواطنون أن بعض من دخلوا المجالس وهم لا يملكون حتى القليل، أصبحوا بعد سنوات أصحاب عقارات وممتلكات، ويتنقلون بسيارات الدولة “ج“، وتثار حول استفادتهم من طلبيات الوقود أو عمولات السمسرة في الصفقات أو بقع بالمنطقة الصناعية أسئلة مشروعة، خصوصاً حين تُباع تلك البقع أو تُكرى بطرق تثير الشبهات. هذه المعطيات ينبغي أن تتحول إلى متابعات قضائية و أحكام ، بل إلى ملفات تفتح بشأنها تحقيقات نزيهة وشفافة، مع ترتيب المسؤوليات وفق القانون، واسترجاع كل منفعة غير مستحقة. فمن ثبت تورطه في اختلاس المال العام أو استغلال النفوذ أو الاستفادة غير المشروعة من ممتلكات الجماعة والمجلس، فمكانه أمام القضاء، لا داخل المجلس ولا في مواقع القرار. وفي ترونس بريس، لا نمنح صكوك البراءة للسياسيين، ولا نصدر أحكام الإدانة على رجال السلطة بالجملة، بل نضع المسؤولية في مكانها الصحيح. فمن يملك سلطة القرار يتحمل تبعاته، ومن يتولى تدبير المال العام مطالب بكشف حصيلته، ومن أخفق أو ثبتت مسؤوليته لا يحق له أن يختبئ وراء شماعة الآخرين. فبنسليمان لا ينقصها من يرفع صوته، بل من يرفع عنها غبار سنوات الانتظار