وزارة العدل تحتاج إلى قاضي كفء محايد غير متحزب بعيد عن حسابات الأحزاب

هناوي الهادي13 أكتوبر 2026Last Update :
وزارة العدل تحتاج إلى قاضي كفء محايد غير متحزب بعيد عن حسابات الأحزاب

  وزارة العدل ليست حقيبة وزارية عادية توزع بمنطق الترضيات الحزبية أو تُستعمل ورقة لتدبير الخلافات السياسية، بل هي إحدى أهم مؤسسات الدولة، لأنها ترتبط باستقلال القضاء، وضمان الحقوق والحريات، وترسيخ الثقة في العدالة وسيادة القانون. ومن هذا المنطلق،  ينبغي ألا يقتصر على المتحزبين بل يجب أن يمتد إلى المعايير التي تحكم اختيار من يتولى تدبير هذا القطاع الحساس  الأولوية للكفاءة والخبرة القانونية، وليس للتوازنات الحزبية وحسابات الاستوزار، المغرب والحمد لله يتوفر على كفاءات قضائية وقانونية مشهود لها بالتجربة والتكوين، ومن بين الأسماء التي تستحضر في هذا السياق الاستاذ هشام بلاوي ومحمد عبد النباوي، بما راكمه كل واحد منهم من مسار في القضاء والمسؤوليات القضائية.

وهي تجربة تطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى الاستفادة من الخبرات المتخصصة في تدبير وزارة العدل. والمعيار الحاسم يظل هو الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإصلاح واحترام استقلال السلطة القضائية.

أما تجربة عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل يعتبرها ملايين المغاربة بأنها فاشلة، تجربته أثارت نقاشاً سياسياً وإعلامياً واسعاً بسبب مواقفه وتصريحاته ومواجهاته مع أطراف متعددة. ومن حق الصحافة والرأي العام تقييم حصيلة تدبيره ومساءلته عن الإصلاحات والاختلالات، فالوزارة لا تحتاج إلى سجالات تطغى على أولوياتها، وإنما إلى مسؤول يجعل القانون والإصلاح وخدمة المواطن في صدارة اهتماماته.
والسؤال الأعمق يتعلق بكيفية تشكيل الحكومة نفسها، ما حدود اقتراح الأحزاب لمرشحيها، وما دور رئيسة الحكومة في اختيار أعضاء فريقها، وما الضوابط الدستورية والسياسية التي تؤطر التعيين في المناصب الوزارية.؟ إن توزيع الحقائب ينبغي أن يستند إلى الكفاءة والسجل المهني والقدرة على تنفيذ البرنامج الحكومي، لا إلى القرابة أو الولاء أو الرغبة في احتواء الخلافات. فالمناصب العمومية ليست إرثا عائليا، ولا مكافآت تمنح لإرضاء زعيم حزبي أو استرضاء تيار سياسي.
إن جوهر الإصلاح ليس تغيير اسم بآخر، بل تغيير المنطق الذي تختار به الأسماء. فوزارة العدل تستحق أن يقودها تكنوقراط يمتلك الخبرة والرؤية والقدرة على الإنصات، لأن العدالة ليست غنيمة انتخابية، والدولة لا تدار بمنطق جبر الخواطر، بل بمنطق المسؤولية والاستحقاق. من المفارقات المؤلمة في المشهد السياسي المغربي أن نجد مؤسسات يُفترض فيها أن تكون عنوانًا لدولة القانون، ومجالًا للدفاع عن العدالة والمساواة، تتحول أحيانًا إلى فضاء يطرح أسئلة محرجة حول معايير اختيار المسؤولين عنها، ومدى انسجام هذه الاختيارات مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم. فكيف يمكن إقناع المواطن باحترام القانون، حين يرى أن معايير الكفاءة والتكوين والنزاهة لا تحظى دائمًا بالمكانة التي تستحقها في تدبير الشأن القضائي؟ وكيف نطالب الأطباء والأساتذة الجامعيين والمحامين والقضاة وسائر المهنيين بالانضباط للقرارات و للقوانين، بينما يظل السؤال مشروعا حول مدى استعداد بعض من يتولون مسؤوليات العدل حساسة لاستيعاب تعقيداتها ومتطلباتها.؟ إن الإشكال لا يتعلق بحرمان أي مواطن من حقه الدستوري في المشاركة السياسية بسبب مستواه الدراسي، فالشهادة العلمية ليست وحدها معيار النزاهة أو الكفاءة، وإنما يتعلق بضرورة إسناد المسؤوليات المتخصصة إلى أشخاص محايدين غير متحزبين تتوافر فيهم المؤهلات، الخبرة القضائية والاستقامة الأخلاقية التي تقتضيها طبيعة المنصب.
وفي هذا السياق، تبرز قضية استوزار عبد اللطيف وهبي اقترحه اخنوش كما تم اقتراح  المسجون محمد مبديع، سابقا لتولى رئاسة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب قبل اعتقاله بالطبع سنة 2023، لتعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية بشأن معايير التزكية السياسية، وآليات التحقق من أهلية المرشحين للمسؤوليات الحساسة، ومدى جدية الأحزاب في تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمناصب المرتبطة بالعدل والقضاء والعدالة والتشريع على وجه الخصوص  تقتضي أعلى درجات الحرص، وأي شبهات أو متابعات قضائية تحيط بمن يتولاها تستوجب التعامل معها بمسؤولية، إن دولة المؤسسات والحق والقانون لا تبنى بالموالات والحزبية الضيقة و” باك صاحبي” والشعارات ولا تقاس ديمقراطيتها بمجرد تنظيم الانتخابات، بل بقدرتها على إرساء معايير واضحة وشفافة لاختيار من يحكمون ومن يشرعون باسم الشعب، وبضمان ألا تتحول المسؤوليات العامة إلى امتيازات منفصلة عن المحاسبة. فحين تكون العدالة موضوع، يجب أن تكون النزاهة والكفاءة والخبرة في صلب من يتولون تدبير شأنها . 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News