بين صلابة العلاقات الأخوية وغموض الهجمات الرقمية المنطلقة من قطر

رغم ما يربط جلالة الملك محمد السادس وسمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني من علاقات أخوية راسخة ومتينة، تُترجم في كل المحطات إلى احترام متبادل وتقدير واضح بين القائدين، يطفو إلى السطح سؤال مشروع وحساس، لماذا أغلب الحسابات التي تستهدف المغرب ومؤسساته ورموزه تنطلق، وفق معطيات منصة X، من داخل الأراضي القطرية..؟
السؤال لا يهدف إطلاق الاتهامات، ولا المسّ بروابط أخوية ثابتة بين البلدين، بل يسعى إلى فهم مفارقة سياسية وإعلامية تُثير تساؤلات لدى الرأي العام المغربي. أولا علاقات رسمية ممتازة لا خلاف عليها المغرب وقطر يجمعهما، تعاون سياسي واقتصادي طويل الأمد. انسجام لافت بين قائدي البلدين، دعم متبادل في عدد من الملفات الاستراتيجية، الدوحة كانت دائمًا من الدول العربية التي تحافظ على خيط الاحترام اتجاه الرباط، ولم يصدر يومًا من و عن القيادة القطرية ما يمسّ المغرب، لكن الواقع الرقمي يرسم مشهدًا آخر في السنوات الأخيرة، كشفت أدوات منصة X أن عددًا مهمًا من الحسابات التي تهاجم المغرب وتسيء لملكه وتشكّك في مؤسساته وتروّج لمحتوى موجَّه في ملف الصحراء، كل هذه الحسابات تنطلق من خوادم داخل قطر أو مستخدمين يتواجدون داخلها، هذا لا يعني بالضرورة أن دولة قطر الشقيقة وراءها بل غالبًا ما تكون شبكات غير رسمية ربما مجموعات ممولة من جهات إقليمية، أطراف تستغل وجود إعلاميين مؤثرين معادين للمغرب و خلايا رقمية تستخدم قطر كمنصة عمل لاعتبارات تقنية. وهنا العامل الجزائري حاضر بقوة الكثير من التحليلات تشير إلى احتمال أن أطرافًا جزائرية أو موالية لأطروحة الانفصال، تستغل منصات داخل قطر وتموّل محتوى موجّه، تتحرك عبر وسطاء أو شركات إعلام رقمية بهدف إضفاء “مسافة جغرافية” بين نشاطها ومصدرها الحقيقي. وجود إعلاميين ذوي خطاب مضاد للمغرب من طرف إعلاميون معروفون بمواقفهم العدائية في ملف الصحراء وهم جزائريون يشتغلون في فضاءات إعلامية مقربة من قطر، مما يخلق خلطًا بين موقف فردي من إعلامي ووجود حملة رقمية منظمة. لكن هنا يجب التفريق بين الاثنين، فالمواقف الشخصية لا تُلزم الدولة القطرية. لكن الحاجة إلى تنسيق رسمي بات أوضح وهو السؤال الذي يطرحه المغاربة اليوم وهو ليس اتهامًا، بل استفهامًا دبلوماسيًا مشروعًا، كيف يمكن لبلد تجمعنا معه علاقات ممتازة أن يصبح مركزًا لنشاط حسابات عدائية ضد المغرب.؟ دون وجود توضيحات أو إجراءات لكبح هذا التدفق..؟ الإجابة المنطقية قد يكون وجود فراغ تنظيمي في مراقبة الحسابات ربما أو استغلال جهات إقليمية لمساحات رقمية داخل قطر دون علم الدولة، أو خلل في تتبع المنصات لمواقع حسابات VPN. خلاصة القول أن العلاقات الرسمية بين المغرب وقطر أقوى بكثير من أن تهزها حسابات رقمية مجهولة.
لكن بقاء هذه الظاهرة دون تفسير يضع علامات استفهام تستحق،توضيحًا من الدوحة، أو تعاونًا أكبر بين البلدين لمحاصرة الحملات الرقمية الممنهجة. صحيح أن المغرب لا يتهم سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر، بل يطالب بحكم العلاقة الأخوية بتحرك مشترك لوقف استغلال أراضي دولته في استهداف بلد شقيق. الذي تجمعه بقطر ليس فقط مجاملة دبلوماسية عابرة، بل تاريخ من التفاهم والتقارب والزيارة الملكية والأميرية تؤكد متانة الثقة، والمواقف الداعمة في لحظات إقليمية دقيقة، وتعاون اقتصادي يشهد على إرادة سياسية حقيقية، وانسجام شخصي نادر بين قائدي البلدين، لذلك بدا ظهور هذه الشبكات الرقمية مفارقة تحتاج تفسيرًا لا أكثر. شبكات عبارة عن لوبيات إعلامية تعيش على “إعادة تدوير التوتر”، يتزعمها فاعلون بلا وجوه وبلا أجندات وبلا هويات، هذه الشبكات وجدت في الفضاء القطري منصة مريحة للتحرك. دون أن يكون ذلك تعبيرًا عن موقف رسمي للدوحة. عن وجود إعلاميين مؤثرين معروفين بمواقفهم العدائية للمغرب داخل فضاءات إعلامية قريبة من قطر ، ما يساهم في خلق انطباع خاطئ لدى جزء من الرأي العام المغربي، وكأن خطاب هؤلاء يعكس توجهًا رسميًا وهذا غير صحيح.
لكن هذا الواقع يجعل من الضروري توضيح الحدود بين رأي إعلامي فردي، وبين نشاط منسق يستهدف المغرب. الدوحة مطالَبة اليوم بخطوة تطمئن الأشقاء، لا أحد من الدولة المغربية يشك في حسن نية القيادة القطرية تجاه المغرب، لكن استمرار هذه الحملات دون معالجة واضحة قد يفتح الباب لتأويلات لا تخدم سوى خصوم البلدين، لذلك يبقى من حق الرباط ومن حق المغاربة انتظار توضيح رسمي قطري حول مصدر هذه الحسابات أو على الأقل آلية تعاون رقمي بين البلدين لتعقب الشبكات المسيئة، أو مبادرة تُظهر حرص الدوحة على عدم ترك أراضيها الرقمية ساحة مفتوحة للاستغلال. خلاصة دبلوماسية من منبر ترونس بريس لا بد منها وهي أن المغرب لا يملك رفاهية الخلط بين الأخوة والحسابات الوهمية، ولا بين العلاقات الاستراتيجية وحروب الظلال التي ينفذها مجهولون. والدوحة بحكم عمق العلاقة وبحكم مستوى الثقة، مطالبة اليوم أخويًا قبل أن يكون سياسيًا بموقف يبدد الضباب ويغلق الباب أمام كل من يحاول توظيف اسمها في معارك ليست معاركها. لكن قوة العلاقات المغربية القطرية أكبر من هذه الحملات، دولة قطر يجب ان تعلم بأن الأخوة الحقيقية لا تخشى الأسئلة، بل تجيب عنها ولا يجب نسيان حين وقف جلالة الملك نصره الله مع قطر ضد الحصار في زمن كانت فيه الدوحة محاصَرة سياسيًا وإعلاميًا، وقف المغرب ملكًا وشعبًا في صفّ قطر دون تردّد. جلالة الملك محمد السادس اختار وقتها أن يفتح الجسر الجوي والسياسي والإنساني نحو الدوحة، في خطوة لم تقدم عليها أي دولة عربية أخرى. واليوم، ورغم تلك الأخوة الصادقة، تتكشّف عبر منصات التواصل هجمات منظمة تنطلق من الفضاء الرقمي القطري نحو المغرب ورموزه… مفارقة تفرض سؤالًا دبلوماسيًا مشروعًا، من يحرّك هذه الحملات..؟ ولمصلحة مَن..؟










