هناوي عبد الهادي قلم ترونس بريس

في الوقت الذي يواصل فيه نظام الجزائري الشمولي تصدير خطابات المزايدة حول “ تقرير مصير الشعوب و التحرير” و“مناهضة الاستعمار”، بدأت بعض الأصوات من داخل الذاكرة الجزائرية نفسها تكشف فصولًا محرجة من التاريخ، فالتاريخ – مهما حاول البعض تجميله أو تزويره – يظل يحتفظ بحقائق لا تموت. ومن بين أكثر القضايا إثارة للجدل تلك التي أعاد طرحها نجل العقيد أعميروش، أحد رموز الثورة الجزائرية، عندما تحدث عن ما وصفه بصفقة تاريخية باع بموجبها الأمير عبد القادر الجزائر لفرنسا، في رواية تهزّ واحدة من أكثر الأساطير السياسية رسوخًا في السردية الرسمية الجزائرية.
إنها بالفعل مفارقة صادرة الرجل الذي قُدّم لعقود طويلة في الخطاب الرسمي الجزائري باعتباره رمزًا للمقاومة، يطفو اسمه اليوم في قلب جدل تاريخي يصفه البعض بأنه “الأمير بلا تاج”، أو البطل الذي تحوّل في روايات أخرى إلى شخصية ملتبسة في علاقتها بالقوة الاستعمارية الفرنسية. وبين الرواية الرسمية والروايات المضادة، يبقى السؤال الكبير معلقًا لماذا تخاف الأنظمة الشمولية من فتح أرشيف التاريخ..؟ الأكثر غرابة أن من يعيشون هذا الارتباك التاريخي يصرّون، بكل وقاحة سياسية، على توزيع دروس السيادة على الآخرين، بل ويقحمون أنفسهم في ملفات لا تخصهم، مثل قضية سبتة ومليلية المحتلتين من طرف إسبانيا، وكأن النظام الذي لم يحسم بعد مع الطولبير والمجاعة وذاكرته الاستعمارية يريد أن يلعب دور الوصي على قضايا الجغرافيا والسيادة في المنطقة.
هكذا تبدو المفارقة الجزائرية تاريخ ملغوم بالأسئلة، وسلطة تفضل صناعة الأساطير بدل مواجهة الحقائق، وخطاب سياسي يرفع شعارات التحرر بينما يعجز حتى عن مصارحة شعبه بما جرى فعلاً في صفحات الماضي. وربما لهذا السبب بالذات، تتحول كل شهادة جديدة أو وثيقة مختلفة إلى ما يشبه “فضيحة قرن”، لأنها ببساطة تفتح الباب أمام سؤال كان ممنوعًا لعقود ماذا لو كان التاريخ الذي رُوي للأجيال مجرد نصف الحقيقة..؟









