
لم يعد الجدل الدائر حول وزير العدل مجرد سجال سياسي عابر، بل تحول إلى نقاش أعمق حول صورة المسؤول العمومي حين يُصاب بوهم التفوق وجنون العظمة. فالرجل الذي يقف اليوم خلف الميكروفونات بملامح متكبرة، يوزع التهديدات كما لو كان فوق مساءلة الجميع، نسي أو تناسى مرحلة من حياته كان فيها شاباً عادياً يشق طريقه مثل باقي أبناء هذا الوطن، قبل أن يصبح محامياً ثم وزيراً. نسي تلك السنوات التي كان فيها واحداً من أبناء الشعب، قبل أن يقرر أن يخاطب هذا الشعب من برج عالٍ لا يليق لا بالمنصب ولا بالمقام.
وما يزيد الصورة قتامة، أن الوزير نفسه لم يتردد يوماً في توجيه عبارات جارحة لنواب الأمة، من قبيل إساءته الشهيرة لوالد البرلماني عبد الصمد حيكر، حين رد عليه بلفظ غير مسؤول، لا يليق بشخص يمثل وزارة يُفترض فيها أنها حامية للكرامة قبل القانون. تلك اللحظة لم تكشف فقط انفعاله، بل عرّت طبيعة خطاب بات يتكرر كلما اشتدت عليه الأسئلة أو ضاق بالرأي المخالف، الواقع اليوم أن الرجل لم يعد مجرد وزير يعبر عن موقف سياسي، بل أصبح رمزاً لأسلوب جديد في ممارسة السلطة؛ أسلوب قائم على التعالي وإشعار المواطن بأنه مجرد تفصيل ثانوي في معادلة الحكم. وكلما خرج بتصريح جديد، تزداد القناعة بأن الأمر لا يتعلق بزلة لسان ولا غضبة طارئة، بل بنهج مُتجذّر في طريقة التفكير والتدبير، نهج يرى الناس كمشكل يجب إخضاعه، لا كشعب من حقه أن يسائل ويحاجج.
ولذلك لم يكن غريباً أن يشتعل الشارع بردود فعل قاسية، تنفجر من عمق الاحتقان اليومي. الكلمات التي سمعناها ليست مجرد انفعالات لغوية، بل صرخة غضب من مواطنين شعروا بأن المسؤول الأول عن العدالة في البلد يتحدث بلغة لا تشبه لغة الدولة، ولا تمت بصلة لهيبة المؤسسة، بل تشبه أكثر صوت من يحاول أن يفرض حضوره بالصراخ لأن حجته لا تكفي.

هذه الردود الشعبية، مهما بدت قاسية، ليست بحثاً عن الإهانة بقدر ما هي تعبير مباشر عن فقدان الثقة في خطاب سياسي يزدري الناس ويختزل مشاكلهم في “ضجيج زائد”. إنها لغة الشارع حين يشعر أن المؤسسات لم تعد قادرة على قول ما يجب قوله، وأن المسؤول كلما ارتفع صوته، انخفض احترام المواطنين له.
الحقيقة التي يجب ألا تُنسى هي أن احترام المواطن يبدأ من لسان المسؤول. فإذا اختار هذا الأخير التعالي، فلا يمكنه أن يطلب من الناس الرد بألفاظ مخملية. الشارع لا يتجمل حين يُستفز، والمغاربة يعرفون حجم كل مسؤول بوضوح لا تمنحه السلطة ولا تسلبه الكراسي، الوزير الذي ينظر إلى الناس من فوق، عليه أن يتذكر جيداً أن الشعوب لا تنسى، وأن المواقع تتغير، وأن الكرامة، مهما ظن البعض ليست امتيازاً يمنحه المنصب، بل قيمة تُبنى، وتُحترم أو تُفقد، من تواضع لله رفعه.










