تحليل معمّقً من ترونس بريس حول قانون رقم 02.24 المتعلّق بنظام الضمان الاجتماعي

هناوي الهادي15 ديسمبر 2025Last Update :
تحليل معمّقً من ترونس بريس حول قانون رقم 02.24 المتعلّق بنظام الضمان الاجتماعي

في هذا التحليل، تحاول ترونس بريس تفكيك خلفيات القانون 02.24، وقراءة أبعاده القانونية والسياسية والاقتصادية، بعيدًا عن الخطاب الرسمي المطمئن، وقريبًا من الأسئلة الحارقة التي تهم المشغلين، الأجراء، والرأي العام.

ليس الأمر مجرد تعديل تقني في نص قانوني، ولا تحديثًا عادياً لمنظومة اجتماعية هرِمت بنصوص سبعينية، بل نحن أمام تحوّل عميق في طبيعة الدولة وأدواتها التنفيذية. فبموجب القانون 02.24، الصادر في الجريدة الرسمية، تستعد مؤسسة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ابتداءً من فاتح يناير 2026، للانتقال من دورها التقليدي كمؤسسة تدبيرية إلى فاعل ذي صلاحيات تنفيذية قريبة من سلطة الجباية والتحصيل العمومي. هذا التحول يطرح أسئلة جوهرية تتجاوز لغة الأرقام والتوازنات المالية، هل نحن أمام ضرورة فرضتها استدامة منظومة الحماية الاجتماعية..؟ أم أمام توسيع صامت لسلطة التنفيذ خارج الرقابة القضائية الكلاسيكية..؟ وأين تقف حدود حماية حقوق الأجراء والمقاولات الصغرى أمام “ذراع تنفيذية” جديدة باسم العدالة، القانون رقم 02.24 هو تعديل وتتميم للظهير الشريف رقم 1.72.184 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي، والذي يعود إلى سنة 1972، وقد صادق عليه البرلمان المغربي بأغلبية في يناير 2025، يأتي هذا القانون في سياق تنزيل القانون-الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، والذي يعتبر توسيع وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية واحدًا من أهم الإصلاحات الاستراتيجية التي أطلقتها الدولة المغربية في السنوات الأخيرة. الأهداف العامة لإصلاح القانون يندرج القانون 02.24 في عدة أهداف كبرى/  1. تحديث الإطار القانوني للصندوق، يُعدّ هذا التعديل تجديدًا أوليًا وشاملًا لإطار قانون الضمان الاجتماعي الذي لم يعد يواكب مهام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المتجددة وتوسع اختصاصاته بعد دخول القانون-الإطار في حيز التنفيذ.

2. تحسين الحوكمة والإدارة تخويل صلاحيات أوسع لمدير عام الصندوق في التسيير الإداري والمالي، تنظيم طرق تعيين أعضاء المجلس الإداري وأدوارها، إضافةً إلى إحداث لجان متخصصة لدعم عمله.

 3. إدماج مقتضيات الاتفاق الاجتماعي، تطبيق بعض بنود الاتفاق الاجتماعي بين الحكومة والمنظمات الأكثر تمثيلية، مثل إنشاء راتب للشيخوخة للمؤمن لهم ذوي اشتراكات بين 1320 و3240 يومًا. صلاحيات تنفيذية جديدة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أهم ما يميّز قانون 02.24 هو تعزيز أدوات التنفيذ لدى الصندوق، بما يجعله أكثر قدرة على فرض الالتزام وسرعة تحصيل حقوقه. وهذه الصلاحيات تشمل/

أولا تحويل ديون الصندوق إلى ديون عمومية، تنصّ مقتضيات القانون على أن الديون المستحقة للصندوق تُعتبَر ديونًا عمومية، ما يسمح باستخدام آليات تحصيل الديون العمومية المعمول بها في التشريع المغربي، هذا التحويل مهم لأنه يعطي للصندوق أولوية في تحصيل ديونه، ويُسهّل إجراءات تنفيذها، مع إمكانيات واسعة لاستعمال أدوات التحصيل العمومي المعدّة أصلاً للدولة.

 ثانيا تجنيس أعوان الصندوق بصفـة “أعوان محاسبين” يخول القانون لأعوان الصندوق الذين يعينهم المدير العام القيام بعمليات التحصيل بذات الصلاحيات الممنوحة لأعوان الخزينة العامة في إطار تحصيل الديون العمومية، مكمن الأهمية هنا هو تمكين الصندوق من تنفيذ عمليات تحصيل بحق المدينين دون انتظار إجراءات قضائية طويلة، ما يعالج مشكلة التهرب وتأخير الأداء.

ثالثا أولوية امتياز على الممتلكات يمنح القانون الصندوق امتيازًا عامًا على ممتلكات المدينين، يتبع مباشرةً الامتياز الذي للخزينة، مما يعزز موقعه في تحصيل الحقوق المتأخرة. هذا الامتياز القانوني يزيد الضغوط على أصحاب الشركات أو الأشخاص المتأخرين في الأداء لتحصيل الاشتراكات والديون.

رابعا إمكانية انتداب مأموري تبليغ وتنفيذ، يمكن للصندوق في ما يتعلق بالديون العمومية، انتداب مأموري تبليغ وتنفيذ للقيام بما يلزم من إجراءات تنفيذ بحق المدينين، بيع ممتلكاتهم وغيرها، بذات الصلاحيات التي يتمتّع بها مأمورو التنفيذ لدى الدولة. هذا يعزز الصندوق بآليات تنفيذ تدخل مباشرة في الحالات التي يثبت فيها التهرب أو الامتناع عن الأداء. أبعاد سياسية واقتصادية للقانون الاستجابة لضغوط مالية، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يواجه تحديات مالية متعاظمة، منها تراكم الديون وتوسع عدد المشتركين المحتاجين إلى خدمات الحماية الاجتماعية. يهدف القانون إلى منح أدوات تنفيذية أكثر فعالية للتعامل مع هذه الديون، ما يساهم في تحسين الوضع المالي للصندوق وقدرته على تلبية التزاماته. تعزيز ثقة المساهمين والمستفيدين، منحت الصلاحيات الجديدة قدرة للصندوق على الاستفادة من أساليب أداء أسرع وأكثر تأثيرًا في تحصيل حقوقه، وهي خطوة قد تُحسّن ثقة المشغلين والمساهمين في قدرة المؤسسة على إدارة مواردها بطريقة شفافة ومنضبطة. مخاطر انتقادات محتملة، هناك أصوات في المعارضة وبعض الفاعلين الاقتصاديين ترى أن قوة تنفيذية أوسع للصندوق بدون مناقشة مستقلة أمام القضاء يمكن أن تفرض عبئًا إضافيًا على المقاولات الصغيرة، خصوصًا إذا لم تصاحبها آليات حماية وإجراءات تظلم عادلة. (مواقف مثل هذه لم تُنقل تحديدًا في وسائل الإعلام الرسمية عن القانون 02.24، لكنها تمثّل رأيًا شائعًا في سياقات مماثلة.) ينتظر أن يدخل القانون 02.24 بشكل كامل حيز التنفيذ تدريجيًا، وأن يتم بدء تطبيق بعض مقتضياته الفعلية، بما فيها جوانب التنفيذ والتحصيل القوي لأول مرة، اعتبارًا من فاتح يناير 2026 كموعد مرجعي للتغيير في النظام التنفيذي للصندوق، القانون رقم 02.24 لا يُعدّ تعديلًا فنيًا عاديًا لنظام الضمان الاجتماعي فحسب، بل يمثل تحويلًا جوهريًا في طبيعة علاقة الصندوق بالدولة والمشغلين. عبر منحه أدوات تنفيذ جديدة تشمل صفة الديون العمومية، امتيازًا على الممتلكات، وانتداب مأموري تنفيذ، يكون الصندوق قد اقترب من وظائف تنفيذية أقرب إلى وظائف الدولة في تحصيل الموارد. هذا يعكس سعي الدولة المغربية لإضفاء فاعلية أكبر على إدارة منظومة الحماية الاجتماعية، مع مواجهة تحديات التهرب والديون المتراكمة. ومع ذلك، فإن هذا النموذج يحتاج ضمانات قوية للعدالة الإجرائية وحماية حقوق المشغلين لضمان أن يتوازن التطبيق بين فاعلية التنفيذ وحقوق الأطراف.

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News