لم يكن المشهد، بالنسبة لي كصحفي مهني، مجرد طابور بسلاليم العمارة حيث يوجد مكتب الاقتراع بمقر مندوبية الاتصال، ولا مجرد ساعات طويلة قضاها رجال ونساء المهنة في انتظار دورهم للتصويت… بل كان مشهداً صحفياً بامتياز، يستحق أن أتوقف عنده، وأن أطرح السؤال الذي قد يبدو بسيطاً لكنه في الحقيقة عميق الدلالة، كيف يعقل أن يُطلب من أكثر من 1400 صحفي وصحفية في جهة الدار البيضاء أن يتوجهوا إلى مكتب اقتراع واحد..؟ وكيف يعقل أن يتكرر المشهد تقريباً في جهة الرباط، التي تضم بدورها أكثر من 1250 ناخباً.؟
نحن هنا لا نتحدث عن انتخابات جمعية صغيرة، ولا عن مكتب نقابي محدود العدد، وإنما عن انتخابات المجلس الوطني للصحافة، أي المؤسسة التي يفترض أن تجسد التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، وأن تكون عنواناً للحكامة والشفافية واحترام كرامة الصحفي. اليوم، الثلاثاء 15 شتنبر 2026، تنقلت من مدينة بنسليمان الى البيضاء بعد وصولي رأيت زملائي الصحفيون يقفون في طوابير طويلة، من أجل ممارسة حق مهني بسيط، وذلك لاختيار من سيمثلهم و يضع كل زميل ورقة في صندوق الاقتراع. وقد جرى الاقتراع من التاسعة صباحاً إلى السادسة مساءً، عبر مكاتب موزعة على الجهات الاثنتي عشرة للمملكة. والسؤال هنا ليس عن نوايا أحد، ولا عن التشكيك في نزاهة العملية الانتخابية، وإنما عن الهندسة التنظيمية للاقتراع، إذا كان عدد الهيئة الناخبة الوطنية يقارب 3400 صحفي وصحفية، فلماذا لم يكن بالإمكان اعتماد ترتيبات أكثر سلاسة في الجهات التي تعرف كثافة انتخابية كبيرة..؟ مثلا جهة الدار البيضاء سطات ليست هي جهة بني ملال-خنيفرة، حيث كان عدد الناخبين 41 فقط، شارك منهم 35، وجرت العملية دون اكتظاظ يُذكر. أما في الرباط، فقد عبر لي بعض الزملاء عن مظاهر اكتظاظ، وهو أمر كان يمكن توقعه مسبقاً بالنظر إلى حجم الهيئة الناخبة في المدينتين. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. الصحفي الذي يقضي ساعات في طابور طويل من أجل الإدلاء بصوته، هو نفسه الصحفي الذي سيكتب غداً عن جودة الخدمات العمومية، وعن الحكامة، وعن التدبير، وعن ضرورة تقريب الإدارة من المواطن. فهل يعقل أن نطالب الآخرين بما لم نستطع نحن، أهل مهنة الصحافة، أن نطبقه على أنفسنا..؟ لقد تنافس 39 صحفياً وصحفية على سبعة مقاعد مخصصة لممثلي الصحفيين داخل المجلس الوطني للصحافة، في اقتراع سري بالأغلبية النسبية في دورة واحدة. وهذا الرقم، 39 مترشحاً من أجل 7 مقاعد، يعني أن المعركة لم تكن بسيطة، وأن كل صوت كان له وزنه، وكل صحفي وقف في ذلك الطابور كان يمارس حقاً مهنياً لا ينبغي أن يُنظر إليه كرقم في لائحة الناخبين. لكن المفارقة التي تستحق أن تُكتب بماء الصحافة لا بماء المجاملات هي أن المهنة التي يفترض أن تكون مدرسة في التنظيم والدقة والتدبير وجدت نفسها أمام مشهد تنظيمي كان يمكن أن يكون أكثر انسيابية. ولأننا في ترونس بريس لا نكتب لتجميل الصور، ولا نبحث عن التصفيق، فإننا نقولها بوضوح: نجاح الانتخابات لا يقاس فقط بعدد الصناديق التي أغلقت، ولا بعدد الأوراق التي فُرزت، وإنما أيضاً بالطريقة التي عومل بها الناخب الصحفي منذ لحظة وصوله إلى مكتب الاقتراع إلى لحظة مغادرته. أما النتائج، فهذه قصة أخرى. فالفرز سيقول لنا من حصل على أكبر عدد من الأصوات، ومن عبر إلى المجلس، ومن بقي خارج الباب. لكن الطوابير التي امتدت لساعات قالت شيئاً آخر لا يظهر في محضر الفرز: قالت إن التنظيم يحتاج إلى مراجعة، وإن الصحفي الذي جاء من مدينة بعيدة ليختار ممثليه يستحق أن يُعامل باحترام يليق بمهنته. ولعل الدرس الأكبر في انتخابات اليوم ليس فقط من سيفوز..؟ بل أيضاً كيف انتخبنا.؟ فالمجلس الوطني للصحافة المقبل لن يكون أمامه فقط تحدي الدفاع عن المهنة وأخلاقياتها واستقلاليتها، وإنما سيكون مطالباً أيضاً بأن يتعلم من تفاصيل هذه المحطة الانتخابية، بما فيها تلك الطوابير الطويلة التي وقفت فيها أسرة الصحافة المغربية ساعات وهي تنتظر دورها.د دون أن يقدم لها ولو قارورات ماء، فالصحفي، قبل أن يكون ناخباً، إنسان له وقته وكرامته. وهذه، في نظر ترونس بريس، ليست ملاحظة هامشية… بل هي أول سطر في دفتر المجلس الوطني للصحافة المقبل. وإذا ظهرت خلال الساعات المقبلة النتائج الوطنية التفصيلية للـ39 مترشحاً، يمكن إدماجها في افتتاحية ثانية، مع جدول دقيق للأصوات وتحليل الفوارق بين الجهات، دون خلط النتائج الجهوية بالترتيب الوطني… يتبع