حين ينتهي رصيد الأفكار يبدأ رصيد الشتائم وحين يغيب البرنامج يحضر «اللسان الانتخابي المتعفن»..! يبدو أن بعض مرشحي أحزاب آخر زمن قرروا أن يخوضوا الانتخابات بمنطق جديد لم تعرفه كتب العلوم السياسية ولا مدارس التكوين الحزبي، لا داعي للبرنامج، لا داعي للأرقام، لا داعي لتقديم الحلول… يكفي أن يصعد المرشح إلى المنصة، يمسك الميكروفون، ثم يفتح النار على خصومه السياسيين، وكأن الانتخابات تحولت من منافسة ديمقراطية إلى بطولة وطنية في فن التنمر والسب والشتم..!
المواطن ٱ “بنادم” ينتظر أن يسمع، برامجكم ماذا ستفعلون من أجل التشغيل..؟ ماذا عن الغلاء وماذا ستقدمون للمدرسة العمومية..؟ وكيف ستدافعون عن الصحة..؟ وماذا ستفعلون لتحسين القدرة الشرائية..؟وكيف ستجلبون الاستثمار إلى مناطقكم..؟ وما هي مشاريعكم التشريعية..؟
لكن بعض المرشحين، ويا للعجب، لديهم جواب واحد عن كل هذه الأسئلة، فلان شفار وفلان نصاب، والحزب الفلاني فاشل، والمنافس الآخر فاشل ولا يفهم شيئاً..!
هكذا أصبحت بعض الحملات الانتخابية أشبه بحصة في التنمر السياسي، حيث يتحول المرشح من صاحب مشروع إلى خبير في شؤون عيوب الآخرين. وإذا انتهت حجته، رفع صوته، وإذا نفدت أفكاره، لجأ إلى السخرية، وإذا عجز عن الإقناع، أطلق العنان للسانه!
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة أي سياسة هذه..؟ وأي قلة حياء هذه واي انحطاط وأخلاق هذه..؟ هل أصبح الوصول إلى البرلمان يحتاج إلى لسان سليط أكثر مما يحتاج إلى عقل سياسي..؟ وهل صار السب في الخصم وعلى الخصم بديلاً عن تقديم برنامج انتخابي..؟ وهل أصبح المواطن مطالباً بالتصويت لمن يجيد سي وشتم منافسيه اكثر، بدل أن يصوت لمن يستطيع الدفاع عن مصالحه داخل مؤسسة “بر الٱمان” عفوا المؤسسة التشريعية..؟
المصيبة أن بعض هؤلاء يتحدثون عن الأخلاق والقيم والديمقراطية واحترام المواطن، ثم يقدمون أمام المواطنين أنفسهم نموذجاً معاكساً تماماً لما يقولون. يريدون أن نصدق أنهم سيكونون رجال دولة وهم لا يستطيعون حتى إدارة خلاف سياسي بلباقة وأدب واحترام. السياسة ٱ “بنادم” ليست حلبة ملاكمة،والمنافس خصم شريف وليس عدواً لك وللوطن.
يمكنك أن تختلف معه، وأن تنتقد برنامجه، وأن تكشف أخطاءه، وأن تفضح تناقضاته، بل وأن تسقط مشروعه السياسي بالحجة والوثيقة… لكن أن تنتقل من نقد الفكرة إلى سب الشخص، فهنا لا تكون قد انتصرت على خصمك، وإنما تكون قد هزمت نفسك أمام الناخبين. والأطرف من ذلك أن بعض المرشحين يتعاملون مع المواطن وكأنه جاء إلى التجمع الانتخابي ليستمع إلى «كلاشات» سياسية، ينتظر بفارغ الصبر من سيحصل على أعلى نقطة في مسابقة الصراخ والتهجم..! يا سادة، المواطن ليس جمهوراً في مدرجات الملاعب. إنه صاحب صوت، وصوته أمانة، ومن يريد أن يحصل على صوته عليه أن يخاطب عقله لا غرائزه. ومن لا يملك برنامجاً واضحاً، فليكن شجاعاً ويقول ذلك. ومن لا يملك حلولاً لمشاكل الناس، فليبتعد عن السياسة والانتخابات ويصمت. أما أن يحاول تغطية فراغه السياسي بسيل من الشتائم، فذلك لن يجعله رجل سياسة، بل سيكشف فقط أن المشكلة ليست في خصمه الذي يشتمه، وإنما في الفراغ الذي يحمله معه إلى المنصة… يتبع