السباعي سميهرو 50 سنة من السياسة



نحو نصف قرن من العمل السياسي ليست رقماً عابراً في السيرة الشخصية لرجل مناضل؛ إنها مسافة زمنية تكفي لأن تجعل صاحبها شاهداً على تحولات السياسة المغربية، وعلى انتقال الأحزاب من جيل إلى جيل، وعلى تغير مفاهيم النضال والعمل الانتخابي والحزبي. ومن هذا الجيل يأتي اسم الحاج السباعي سميهرو، الذي تشبع بأبجديات السياسة والنضال داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، وتعلم من رجالاته الأوائل أن السياسة قبل أن تكون تنافساً على المواقع هي مسؤولية تجاه المجتمع والناس. ولعل ما يميز هذه التجربة أن صاحبها لم يحصر العمل السياسي في المقرات والاجتماعات والانتخابات، وإنما ظل مرتبطاً بالعمل الاجتماعي، وهو ما يجد تعبيره اليوم في رئاسته لجمعية دار الطالب والطالبة ببنسليمان، التي يديرها منذ سنوات بعقلية رجل خبر دهاليز العمل العام، وبهدوء وحنكة السياسي الذي يعرف أن تدبير المؤسسات الاجتماعية يحتاج إلى أكثر من الخطابات والشعارات. من المجلس الإقليمي إلى خدمة المجتمع كان حضور السباعي سميهرو داخل المجلس الإقليمي، إلى جانب نشاطه الحزبي، جزءاً من مرحلة كان فيها المنتخب مطالباً بأن يكون قريباً من قضايا الإقليم وانتظارات سكانه. وقد أعطى، خلال تلك المرحلة، من وقته وجهده وتجربته، باعتباره عضواً فاعلاً في المجلس وفي التنظيم الحزبي. ولذلك فإن تقييم تجربة الرجل لا ينبغي أن يتم فقط بمنطق عدد المناصب التي تقلدها، وإنما بمنطق ما تركته تلك السنوات من أثر في محيطه السياسي والاجتماعي. فالسياسي الحقيقي لا تقاس تجربته فقط بما حصل عليه من مواقع، بل بما قدمه حين كان في موقع المسؤولية، وبما حافظ عليه من مبادئ حين تغيرت الظروف، وبقدرته على الاستمرار في خدمة الشأن العام حتى عندما لا تكون هناك مكاسب انتخابية أو مواقع تنتظر في الأفق. مدرسة سياسية من زمن آخر السباعي سميهرو ينتمي إلى جيل تعلم السياسة بالممارسة. لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة لتصنع للسياسي صورة افتراضية، ولم تكن الشهرة الرقمية بديلاً عن الحضور الميداني. كان السياسي يُعرف في حيه وإقليمه بما يفعل، وبعلاقته بالناس، وبقدرته على تحمل المسؤولية. وهنا تكمن أهمية استحضار هذه التجربة اليوم، خصوصاً في زمن أصبحت فيه السياسة تعرف دخول أسماء جديدة بعضها لم يراكم الحد الأدنى من التجربة، لكنه يريد الوصول سريعاً إلى مواقع القرار. فخمسون سنة من العمل السياسي تمنح صاحبها شيئاً لا تمنحه التزكية الحزبية ولا الحملات الانتخابية: الخبرة. والخبرة السياسية ليست مجرد معرفة بالقوانين أو بأسماء المؤسسات، وإنما هي القدرة على قراءة المجتمع، وفهم توازناته، ومعرفة متى يتقدم السياسي ومتى يتراجع، ومتى يتكلم ومتى يصمت، وكيف يحافظ على علاقته بالناس حتى بعد انتهاء الانتخابات. حين يصبح العمل الاجتماعي امتداداً للنضال إذا كان العمل السياسي قد شكل جانباً أساسياً من مسار الحاج السباعي، فإن العمل الاجتماعي شكل الوجه الآخر لهذه التجربة. فرئاسة جمعية دار الطالب والطالبة ببنسليمان لسنوات ليست مجرد مسؤولية إدارية؛ إنها امتحان يومي في تدبير مؤسسة ترتبط بفئات اجتماعية تحتاج إلى الرعاية والتأطير، وتحتاج قبل كل شيء إلى مسؤول يفهم أن العمل الجمعوي ليس واجهة اجتماعية، وإنما مسؤولية أخلاقية وإنسانية. ومن هنا تبدو تجربة السباعي سميهرو متصلة في جوهرها: مناضل بدأ من الحزب، خاض تجربة المجلس الإقليمي، وواصل حضوره في المجال الاجتماعي، ليؤكد أن السياسة يمكن أن تكون فعلاً من أجل الخير العام، لا مجرد طريق إلى الموقع. خمسون سنة، والسؤال عن معنى النضال بعد نصف قرن من العمل السياسي، يصبح السؤال المشروع ليس: كم مرة ترشح؟ وكم منصباً حصل عليه؟ وإنما، ماذا بقي من الإنسان المناضل بعد كل هذه السنوات؟في حالة السباعي سميهرو، تكمن الإجابة في استمرار حضوره في العمل الاجتماعي، وفي ارتباط اسمه بتجربة سياسية تعود إلى مرحلة مختلفة من تاريخ الأحزاب المغربية، وفي احتفاظه بموقعه داخل الذاكرة المحلية باعتباره واحداً من أبناء جيل تشبع بالسياسة والنضال والعمل من أجل الخير. إنها تجربة تستحق أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من ذاكرة بنسليمان السياسية والاجتماعية؛ ذاكرة جيل كان يرى في السياسة مسؤولية، وفي الحزب مدرسة، وفي العمل العام خدمة للناس. وقد تختلف الآراء حول السياسيين ومواقفهم، وهذا أمر طبيعي في الحياة الديمقراطية، لكن الاختلاف لا يلغي حقيقة أساسية: أن خمسين سنة من الحضور السياسي والاجتماعي ليست مسيرة عابرة، وإنما رصيد من التجربة يستحق التوقف عنده، خصوصاً في زمن أصبح فيه البعض يريد اختصار السياسة في موسم انتخابي واحد. والسباعي سميهرو، بهذا المعنى، ليس مجرد اسم في سجل حزبي قديم، بل شاهد حي على مرحلة كانت فيها السياسة تُبنى بالتدرج، ويُصنع المناضل بالسنوات، ويُختبر السياسي في علاقته بالناس وبقدرته على العطاء حين لا يكون المقابل منصباً أو امتيازاً. فذلك هو الفارق بين من مرّ من السياسة، ومن صنعت السياسة جزءاً من شخصيته وتكوينه.