
في السياسة، قد يكون أغرب المشاهد أن يتحول من قضى سنوات طويلة متشبثا بكرسي القيادة إلى أكبر واعظ في فضائل التداول وتجديد النخب. وهذا بالضبط ما يثير الاستغراب كلما خرج إدريس لشكر متحدثا عن ضرورة فتح المجال أمام الشباب والشابات، وكأن الرجل لا يرأس حزبه منذ سنوات طويلة، ولم يخض سباقا جديدا نحو ولاية رابعة أثارت الكثير من الجدل داخل حزبه وخارجه.
فإذا كان لشكر مقتنعا حقا بأن المستقبل للشباب، فلماذا لم يقدم بنفسه المثال..؟ ولماذا لم يفسح المجال لقيادات شابة تتولى قيادة الحزب بدل الاستمرار في احتكار موقع الكاتب الأول..؟ فالخطابات تكتسب قيمتها عندما تتحول إلى ممارسة، أما حين تبقى مجرد مواعظ موجهة للآخرين، فإنها تفقد الكثير من مصداقيتها. وفي خرجاته الأخيرة، اختار لشكر توجيه انتقادات لواقع التمثيلية السياسية بالأقاليم الجنوبية، معتبرا أن بعض العائلات السياسية ما تزال تهيمن على المشهد، وأن ذلك يحد من فرص بروز كفاءات جديدة ويضيق أمام الشباب والشابات الراغبين في تحمل المسؤولية. غير أن هذا الطرح يطرح سؤالا بسيطا: هل ينطبق هذا المبدأ على الآخرين فقط، أم يجب أن يبدأ من داخل الحزب الذي يقوده..؟ فالحديث عن محاربة الاحتكار السياسي يصبح أكثر إقناعا عندما يسبقه التخلي الطوعي عن المواقع القيادية، لا عندما يقترن بالإصرار على تمديد البقاء في قمة الهرم الحزبي. ومن السهل توجيه النصائح إلى وزارة الداخلية أو إلى المشرفين على الانتخابات بشأن منع استغلال النفوذ أو تكريس تكافؤ الفرص، لكن الرأي العام يراقب أيضا مدى احترام الأحزاب نفسها لهذه المبادئ داخل تنظيماتها. ثم إن الحديث عن تجديد النخب لا يقتصر على الصحراء المغربية وحدها. فهناك من يتساءل عن حصيلة الحزب في جهات أخرى، وعن طبيعة الاختيارات التي اعتمدها في التزكيات والتحالفات، ومدى إفساحه المجال فعلا أمام الكفاءات الشابة، أم أن الأمر ظل، في نظر منتقديه، خاضعا لحسابات سياسية لا تختلف كثيرا عما ينتقده اليوم. أما الدعوة إلى جعل الصحراء فضاء للتنافس على أساس البرامج والكفاءة، فهي في حد ذاتها فكرة لا يختلف حولها اثنان، لكن قوتها الأخلاقية تظل مرتبطة بمدى استعداد من يرفعها إلى تطبيقها داخل بيته الحزبي أولا. فالتداول الديمقراطي لا يبدأ من المنابر الإعلامية، بل يبدأ من الجرأة على تسليم المشعل لجيل جديد، والإيمان بأن الزعامة ليست ملكية خاصة، وإنما مسؤولية مؤقتة.
ولعل أكبر مفارقة في هذا المشهد أن من يطالب بإنهاء احتكار المواقع، يجد نفسه في نظر كثيرين أحد أبرز رموز استمرارها داخل حزبه. ولذلك، فإن أفضل رسالة يمكن أن يبعثها إلى الشباب الذين يخاطبهم ليست خطابا جديدا، بل قرارا شجاعا يترجم أقواله إلى أفعال، ويؤكد أن الإيمان بالتجديد يبدأ من الذات قبل مطالبة الآخرين به.










