الضرائب ترتفع والكسالى بالكثير من المجالس يستمرون في النوم

لم يعد الحديث عن الضريبة ممكناً دون الإشارة إلى الجنود المجهولين الذين يقفون خلف هذا الورش الحيوي، أطر وزارة المالية، وعلى رأسهم مدراء الضرائب، الذين يشكّلون اليوم واحداً من أعمدة الدولة الحديثة. فبينما ينشغل الرأي العام بأرقام التحصيل ومعادلات الجباية، هناك فريق من الكفاءات الوطنية يعمل بإيقاع دقيق لضمان أن تبقى المنظومة الضريبية أداةً للتنمية لا عقبةً في وجهها. وقد أثبتت التجربة أن مدراء الضرائب في المغرب يتمتعون بكفاءة عالية وخبرة تقنية رفيعة، مكّنتهم من قيادة إصلاحات كبرى في نظام الجبايات، وتأهيله ليواكب التحولات الاقتصادية، وضمان شفافـية أكبر في استخلاص الموارد، وتوسيع الوعاء الضريبي دون إثقال كاهل المواطن، كما أن نُبل الدور الذي تقوم به إدارة الضرائب لا يقتصر على التحصيل فحسب، بل يمتد إلى المساهمة الفعلية في توجيه السياسات الاقتصادية عبر تقارير دقيقة، ودراسات معمّقة، وتقديرات مالية تعتمد عليها الحكومة في كل خطوة إصلاحية. إنها كفاءات تعمل بصمت، لكن بصمتٍ يُحدث أثراً واضحاً في استقرار المالية العمومية وفي استدامة المشاريع الكبرى. ومع ذلك، فإن نجاح هذه المنظومة يظل رهيناً بـاستمرار دعم الدولة لهذه الطاقات وتوفير شروط العمل الحديثة لها، حتى تظل الضريبة أداةً فعّالة لتحقيق التنمية، لا مجرد مورد مالي.
تُعد مديرية الضرائب واحدة من أكثر الإدارات الإقليمية حيوية وفعالية، فهي تشتغل دون توقف، سواء كانت هناك حكومة قائمة أو كانت البلاد في مرحلة انتقالية. فدينامية هذه المديرية لا تتأثر بتغيير الوزراء أو تبدل المسؤولين، لأنها مرتبطة مباشرةً باستقرار الدولة وبحماية مواردها المالية. وعلى النقيض من ذلك، ما زالت بعض المصالح الخارجية مثل مديريات التشغيل والنقل والتعاون الوطني تستنزف ملايين الدراهم من ميزانية الدولة دون أن يظهر لها أثر ملموس في تنمية الأقاليم التي تنتمي إليها. ويكفي النظر إلى إقليم بنسليمان كنموذج صارخ لفهم هذا الاختلال، إدارات بأعداد كبيرة، وميزانيات مهمة، وموارد بشرية معتبرة، ومع ذلك يبقى أثرها على التنمية ضعيفاً أو منعدماً. في المقابل، تظهر إدارات أخرى بوضوح كقوة فعلية فوق الأرض، لأنها ببساطة تعمل وتشتغل بجدية كمديريات الضرائب، الفلاحة، المياه والغابات، مكاتب الـONEE، الأمن الوطني، المحكمة الابتدائية. هذه المؤسسات هي التي تؤمّن استمرارية المرفق العمومي، وتضمن الحد الأدنى من الخدمات، وتساهم في الاقتصاد المحلي، وتتعامل مباشرة مع حاجيات المواطنين، إن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن مديرية الضرائب، إلى جانب هذه الإدارات الفاعلة، تحمل فوق كتفيها العبء الحقيقي لتسيير الإقليم، بينما تستمر إدارات أخرى في السكون الإداري المزمن، دون مساءلة أو تقييم للنجاعة أو ربط للمسؤولية بالمحاسبة، لقد حان الوقت لإعادة تقييم دور كل إدارة إقليمية بوضوح وشجاعة، ومراجعة النموذج الذي يجعل إدارات معيّنة تشتغل بدون توقف، فيما أخرى تتحول إلى عبء يمولّه دافع الضرائب دون أي عائد.

مرة أخرى، تكشف لغة الأرقام ما تحاول بعض الخطابات الرسمية إخفاءه، المغرب يعيش تفاوتاً ضريبياً صارخاً بين جهاته، وتُمثل المديرية العامة للضرائب مرآة صافية لهذا الخلل العميق، فمنذ 2021 إلى 2024 قفزت المحصلة الضريبية الوطنية من 138 مليون درهم إلى أزيد من 202 مليون، لكنها بقيت محصلة مشدودة إلى محور واحد يكاد يحتكر دورة الحياة الاقتصادية، الدار البيضاء والرباط، خلال أربع سنوات، استحوذت الدار البيضاء وحدها على الحصة الأكبر من المداخيل، متأرجحة بين 59 و62 في المئة، قبل أن تستقر سنة 2024 عند 58.6 في المئة، بينما ظلت الرباط ثابتة في المرتبة الثانية بنسب تقارب ربع الحصيلة. وحتى عندما ارتفعت أو تراجعت بعض النسب، بقيت الهيمنة الاقتصادية للمنطقتين حقيقة ثابتة لا تتزحزح. أما بقية الجهات، مجرد هوامش في دفتر الجباية الوطني. طنجة تحاول بصعوبة أن تشق مكاناً بين الكبار بنسب تناهز 5 في المئة، فيما تنحدر وجدة إلى 1.3 في المئة، وبني ملال إلى 0.6 في المئة، لتتذيل الرشيدية الترتيب بـ0.2 في المئة… نسب لا تعكس فقط ضعف النشاط الاقتصادي، بل تُظهر حجم الإهمال التنموي المزمن الذي تعانيه هذه الجهات، الوزير المنتدب في الميزانية، فوزي لقجع، حاول تقديم الأرقام ببرودة تقنية، لكن القراءة السياسية لهذا التوزيع تفضح واقعاً مختلفاً، المغرب مكوّن اليوم من جهتين تُموّلان الدولة، وباقي الجهات بالكاد تظهر في الرسم البياني، إن استمرار تركيز الثروة ومصادر الدخل في محور الدار البيضاء الرباط ليس مسألة إدارية أو محاسباتية، بل مؤشر على سوء توجيه الاستثمارات العمومية، وغياب إرادة لتقوية النسيج الاقتصادي في المناطق الداخلية والشرقية والجنوبية، بل إن بعض هذه الجهات تعرف نمواً سكانياً مهماً، لكنها تُعامل اقتصادياً كما لو كانت مناطق هامشية خارج الخرائط، بهذه الأرقام تؤكد الجباية مرة أخرى أن المغرب لا يعاني فقط من تفاوت اجتماعي، بل من لا عدالة ترابية عميقة، وأن التنمية لا تزال محصورة بين جهتين، فيما تكتفي باقي الجهات بدور المشاهد الصامت لثروة لا تصل إليها.







