من داخل وزارة الداخلية، يخرج السؤال الذي صار يهمس به كثيرون في الصالونات السياسية والإدارية، إذا كانت المملكة ولا تزال تتوفر على جيش من رجال السلطة المتخرجين من معهد الإدارة الترابية، من قواد وباشوات ورؤساء دوائر وكتاب عامين ورؤساء أقسام الشؤون الداخلية، ممن قضوا سنوات وسط الملفات الساخنة، واحتكوا يوميا بالمواطن والمنتخب والاحتجاج والتدبير الترابي، فلماذا أصبح كرسي العامل يُمنح أحيانا لأسماء لا علاقة لها نهائيا بمنظومة الداخلية..؟
في عهد محمد السادس نصره الله، تغيرت فلسفة الإدارة الترابية بشكل كبير، وأصبح مفهوم “الكفاءة التقنية” ينافس “التدرج السلطوي”. لذلك رأيت عمالا قدموا من قطاعات الكهرباء والفلاحة والمالية والتجهيز ومراكز الاستثمار، بعضهم لم يسبق له أن حمل صفة قائد أو باشا أو حتى عون سلطة، ولم يختبر حرارة الشارع ولا دهاليز السلطة المحلية. وهنا تبدأ الحيرة، لا لأن هؤلاء يفتقدون للشهادات أو الخبرة التقنية، بل لأن وزارة الداخلية نفسها تتوفر على مدرسة كاملة لتكوين رجال السلطة، وعلى أطر أمضت عمرها في انتظار فرصة الصعود.
ويوضع ناس على رأس الاقاليم بالمحمدية وبنسليمان والصخيرات تمارة والدار البيضاء وغيرها من الاقاليم، لماذا السؤال الذي أصبح أكثر إلحاحا، من يقترح هذه الأسماء..؟ و من يزكي ملفاتها..؟ وهل أصبح العامل مجرد “مدبر قطاعي” أم رجل سلطة بمفهوم الدولة العميقة التي تفهم المزاج الاجتماعي وتوازنات المجال..؟
الأخطر أن بعض التجارب أفرزت قرارات ما تزال تداعياتها تُؤدى إلى اليوم. نموذج ذلك القرار الذي اتخذته العاملة السابقة للمحمدية، فوزية إمنصار، حين منعت قبل حوالي 14 سنة الحافلات القادمة من بنسليمان من الوصول إلى محطة القطار بالمحمدية. قرار وُصف يومها بالجائر، لكنه مرّ بسند قانوني وإداري ما يزال يُستعمل اليوم كسلاح من طرف بعض نقابات سيارات الأجرة المتمردة، لمنع الحافلات الجديدة من الوصول إلى المحطة نفسها. وكأن قرارا إداريا قديما تحول إلى “لعنة قانونية” تطارد مشاريع النقل إلى غاية الإثنين 11 ماي، حيث عاد الجدل لينفجر من جديد مع الحافلات الجديدة القادمة من بنسليمان. هنا يبرز الفرق بين رجل سلطة تدرج داخل دواليب الداخلية، ويعرف أن أي قرار ترابي قد يتحول بعد سنوات إلى قنبلة اجتماعية، وبين مسؤول تقني قد يتعامل مع الملفات بمنطق إداري جامد لا يرى ما خلف السطور.
ثم إن بعض العمال الذين غادروا مواقعهم، تركوا انطباعا غريبا لدى الرأي العام، ليس بسبب ضعف الكفاءة فقط، بل لأن البعض انشغل بمنافسة السلطان في إظهار الولاء أكثر من الانشغال بتدبير شؤون المواطنين. أسماء مثل معاذ الجامعي وفريد شوراق أصبحت تُستحضر في النقاش العمومي كنماذج فتحت باب التساؤل حول حدود السلطة وحدود الاستعراض الإداري.
المفارقة الغريبة و الساخرة أن القائد والباشا ورئيس الدائرة، الذين يواجهون يوميا غضب الشارع والاحتجاجات والفوضى والتوازنات الانتخابية، قد يبقون سنوات في الظل، بينما يصعد آخرون من مكاتب القطاعات التقنية مباشرة إلى كرسي العامل. وكأني بوزارة الداخلية تقول لأبنائها “ شكرا على سنوات الخدمة لكن القيادة شيء آخر”، اليوم، لم يعد النقاش مرتبطا بالأشخاص فقط، بل بفلسفة التعيين نفسها. هل تحتاج المرحلة إلى تكنوقراط يدبرون الأرقام والمشاريع..؟ أم إلى رجال سلطة يعرفون عقلية المجال الترابي المغربي وتعقيداته..؟ وهل يمكن فعلا قيادة إقليم ملتهب اجتماعيا بعقلية مدير قطاع إداري..؟ أسئلة ثقيلة، لكنها مشروعة، لأن الدولة حين تُقصي أبناء المدرسة الترابية من المناصب العليا، فهي مطالبة على الأقل بأن تشرح للرأي العام، ما جدوى كل هذا الجيش من القواد والباشوات ورؤساء الدوائر، إذا كان الطريق إلى كرسي العامل يمر أحيانا من عداد الكهرباء أو مكتب الفلاحة أو مراكز الاستثمار ، بدل المرور من الميدان…؟










