في زمنٍ اختلطت فيه القداسة بالاستعراض، صار بعض من يحملون الكاميرات يتصرفون داخل بيوت الله وكأنهم في مدرجات ملعب، لا في محرابٍ للخشوع والسكينة.

هناوي قلم تحرير ترونس بريس
تدخل بعض النماذج إلى المساجد غالبا بأحذيتهم، وربما بلا وضوء، تتسلل بين صفوف المصلين، وترفع عدسات الكاميرات فوق الرؤوس، وكأنها توثق مباراة في كرة القدم لا صلاة يقف فيها الناس بين يدي الله. مشهد يبعث على الدهشة والاستياء معًا مصلٍّ يحاول أن يخشع، ومصوّر يتقدم أمامه بلا حرج، يلتقط اللقطات وكأن الأمر عرضٌ إعلامي أو مادة للتفاخر على منصات التواصل.
الحقيقة أن آداب المساجد ليست تفصيلاً ثانوياً يمكن تجاوزه. فالتصوير داخل المسجد أثناء الصلاة، وخاصة تصوير المصلين، يعد عند كثير من العلماء من الأمور المنهي عنها لما فيه من تشويش على الخشوع وإزعاج للمصلين، بل وقد يصل إلى درجة الظلم والتعدي على حرمة العبادة. فالمصلون لم يأتوا ليكونوا موضوعاً للكاميرات، بل جاؤوا ليقفوا في لحظة صفاء بين العبد وربه. صحيح أن بعض العلماء أجازوا التصوير لكن في حالات محدودة، كتوثيق الدروس والخطب أو تصوير معالم المسجد دون إقحام المصلين، وذلك لمصلحة تعليمية أو توثيقية. لكن تحويل المسجد إلى مسرح للعدسات، والتجول بين الصفوف أثناء الصلاة، أمر يناقض روح المكان ووقاره.
أما أولئك الذين يقتحمون بيوت الله بأحذيتهم وعدساتهم المرفوعة فوق رؤوس المصلين، فلا يدركون على ما يبدو أن للمسجد حرمة قبل أن تكون له جدران. فلو كانوا يعقلون معنى الخشوع والوقار، لما وقفوا أمام المصلين كما يقف المصور على خط التماس في مباراة كرة قدم، يطارد اللقطات ويعكر الصفوف.
ويبقى السؤال البسيط الذي يفرض نفسه على حملة الكاميرات هل الناس جائوا للصلاة أم للتصوير..؟ لأن من لا يفرق من المصورين بين محراب المسجد وحرمته وكاميرا الاستعراض، فكأن القلم قد رُفع عنه… فلا فقه عنده بحرمة المكان، ولا فهم لديه لمعنى السكينة التي بُنيت من أجلها المساجد.









