في مشهد سياسي يختزل أزمة العمل الحزبي في المغرب، يواصل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نزيفه الداخلي بصمت ثقيل. قيادات تاريخية غادرت تباعاً، وآخرها عبد الهادي خيرات الذي اختار الالتحاق بحزب علي يعتة، في رسالة سياسية لا تخلو من الدلالات. خلف الكواليس، تتعالى همسات عن مناخ تنظيمي خانق، وعن قيادة يتهمها خصومها بتحويل الحزب من مدرسة للنضال الديمقراطي إلى فضاء مغلق تُدار فيه القرارات بمنطق الفرد، وتُوزَّع فيه التزكيات كما لو كانت أسهماً في بورصة موسمية. غير أن الصورة لا تقف عند حدود الاتحاد الاشتراكي وحده؛ فمع كل استحقاق انتخابي، تُفتح “سوق التزكيات” على مصراعيها، وتتحول بعض الأحزاب إلى منصات تفاوض حول مواقع متقدمة في اللوائح بدل أن تكون فضاءات للتأطير وصناعة النخب. إنها لحظة مساءلة حقيقية؛ هل ما يجري أزمة قيادة عابرة، أم عنوان انحراف أعمق يضرب مصداقية الفعل الحزبي برمته…؟

باعتبار آن تاريخ الاتحاد مرتبط بتاريخ المغرب؛ أذكر من يعرفون الحزب وأضيف الى معلومات من انظموا لهذا الحزب و لا يعرف عنه إلا إسم واحد هو «بو الشغل» ادريس لشگر؛ أن الاتحاد الذي شق طريقه كحزب منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، وسط مناخ سياسي متوتر، وظلّ اسمه مقترنًا بالمعارضة الصلبة وبمحطات صدامية مع الدولة. خرج من رحم انشقاق تاريخي عن حزب الاستقلال سنة 1959، حاملاً آنذاك اسم «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية»، قبل أن يُعيد ترتيب بيته الداخلي ويغيّر هويته السياسية سنة 1975 إلى «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، في مؤتمر استثنائي عُدّ نقطة تحوّل مفصلية في مساره. انتخابات على إيقاع الشك في منتصف السبعينيات، كان الحزب يتهيأ لخوض استحقاقات 1977 وسط أجواء مشحونة قياداته، من قبيل عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي، اعتبرت أن تلك الانتخابات شابتها اختلالات عميقة. لاحقًا، صدرت اعترافات من مسؤولين سابقين في وزارة الداخلية بوجود تلاعبات، ما عزز سردية الحزب حول “المسرحية الانتخابية” التي أضعفت حظوظه، خصوصًا بعد منع بعض رموزه من الترشح في دوائر اعتُبرت معاقله التقليدية. من المعارضة إلى اختبار الشارع لم يكن الصدام مع السلطة حدثًا عابرًا في تاريخ الحزب. فمنذ اعتقالات 1963، مرورًا بمحاكمة مراكش 1970، ظلّ الاتحاد يعيش على إيقاع التوتر السياسي. ومع انتفاضة الدار البيضاء سنة 1981، وجد نفسه مجددًا في قلب العاصفة، حيث طالت تداعيات الأحداث عدداً من مناضليه، خاصة في قطاع التعليم، وتداخل السياسي بالنقابي في لحظة حرجة أظهرت هشاشة التوازن بين المعارضة والعمل المؤسساتي. الصحراء والخلاف العابر سنة 1981 أيضًا، برز خلاف علني بين قيادة الحزب وجلالة الملك الراحل الحسن الثاني بشأن مقترح الاستفتاء في ملف الصحراء. موقف الراحل عبد الرحيم بوعبيد كان واضحًا ومعلنًا، وأدى إلى فتور في العلاقة قبل أن تُطوى الصفحة بلقاء أعاد المياه إلى مجاريها. تلك المرحلة كرّست صورة حزب قادر على الاختلاف دون القطيعة النهائية.
لم يكن المسار خاليًا من المآسي. اختفاء المهدي بن بركة سنة 1965، واغتيال عمر بنجلون سنة 1975، شكّلا جرحين عميقين في الذاكرة الاتحادية ومع ذلك، استمر الحزب في توسيع حضوره الميداني، مستندًا إلى قواعد طلابية ونقابية وشرائح من قدماء المقاومة. وبعد مجيء حكومة التناوب بلغ الاتحاد ذروة حضوره السياسي مع آول تجربة سنة 1998 بقيادة الراحل عبد الرحمان اليوسفي، في لحظة اعتُبرت انتقالًا تاريخيًا من المعارضة إلى تدبير الشأن العام. غير أن التجربة لم تُنهِ الأسئلة الكبرى حول هوية الحزب وموقعه، خاصة بعد تراجعه الانتخابي في سنة 2007 وابتعاد عدد من قياداته التاريخية عن الواجهة. يبدو المشهد مختلفًا قادة قدامى غاضبون ووجوه غادرت الحزب الذي لم يعد حزبا ووجوه غابت، وأجيال جديدة مشبوهة تتصدر، وانقسامات داخلية أفرزت تجارب حزبية موازية. بعض الغاضبين رأوا في التحولات ابتعادًا عن روح “الاتحاد”، فيما اعتبر آخرون أن السياسة فن الممكن وأن الحزب كغيره، يخضع لتحولات الزمن. إنها قصة تنظيم سياسي وُلد من رحم الصراع، وتغذّى على ثقافة المعارضة، ثم وجد نفسه في الحضيض أمام امتحان الصراع على السلطة وتبدلات المشهد الحزبي. بين زمن الشعارات وزمن التدبير، وبين ذاكرة المقاومة والزعماء وأسئلة الحاضر، يبقى الاتحاد الاشتراكي صفحة أساسية في تاريخ الحياة السياسية المغربية، تستحق أن تُقرأ بعيدًا عن الحنين أو الخصومة، وبعيون تستوعب تعقيد اللحظة وتحولات الرجال…. يتبع









