لم يعد المؤتمر الحزبي لحظة تاريخية كما كان في ستينات القادة والمناضلين الحقيقيين، حين كان الاجتماع مخاطرة، والكلمة موقفًا، والقيادة ثمنًا يُدفع من العمر لا من الامتيازات. ما نشهده اليوم أقرب إلى مهرجان تنكّري داخل قاعة مكيّفة، خطابات محفوظة، وتصفيق مُبرمج، حيث اجتمع مناضلو الغفلة وسماسرة السياسة ومرتزقة النضال حول موائد التزكية لا حول أسئلة الوطن.

في الأمس، كانت المؤتمرات تُنجب زعماء خرجوا من الشارع والسجون والنقابات، يعرفون معنى الخسارة قبل السلطة واليوم تُنجب مؤتمراتنا وجوهًا خرجت من الممرات المركزية، لم تعرف من السياسة سوى صورتها، ولا من النضال سوى ادعائه. هناك، في زمن القادة، كانت الشرعية تُنتزع بالصراع وهنا، في زمن المسخ السياسي، تُمنح بالهمس والترتيب. الفرق بسيط وقاسٍ بين زمن رجال صنعوا السياسة وزمن صنعت السياسة رجالًا بلا تاريخ.
ما بعد أخنوش لا يفتح باب الأسئلة بقدر ما يفضح الأجوبة الجاهزة. فحين يغادر الاسم، لا تغادر المنظومة، وحين تُطوى الواجهة، يُعاد ترتيب الكواليس بهدوء بارد. نحن أمام انتقال مُتحكَّم فيه، لا قطيعة، حيث يُضحّى بشخص لتأمين استمرار نموذج سياسي لم يُبنَ يومًا على النضال، بل على تجميع المصالح وتدوير الأعيان. والأخطر أن المرحلة المقبلة لا تُنذر بوجوه مختلفة، بل بنسخ مألوفة شخصيات راكمت الجدل أكثر مما راكمت المصداقية، صعدت بسرعة، وسقطت ملفاتها تباعًا في أحاديث الرأي العام. من “رائد” في الفضائح، إلى من تقلد يومًا صفة رئيس كيان طلابي علمي بلا أثر علمي يُذكر، مرورًا بملفات تهرب ضريبي دام ربع قرن وشيكات بلا رصيد ظلت عالقة بين الرفوف والإنكار، وصولًا إلى إعادة تقديم هذه النماذج كبدائل سياسية جاهزة للاستعمال هكذا يُدار المشهد تغيير الوجوه والواجهات بدل تغيير السياسات وتلميع الأسماء بدل محاسبة التجارب، بينما يبقى المواطن، للمرة المليون خارج الحساب، آخر من يُفكَّر فيه، وأول من يدفع ثمن الاستمرارية المقنّعة؛ بعد أخنوش لا يدخل المغرب مرحلة سياسية جديدة بقدر ما يدخل فقرة إعادة تدوير الرداءة. فحين يغادر صاحب الواجهة، يتدافع من خلف الستار طابور من “من أشباه المناضلين الجدد” الذين لم يعرفوا من النضال سوى بطاقة الانخراط، ولم يفهموا من السياسة إلا قربها من الامتيازات وبعدها عن المحاسبة. المرحلة المقبلة لا تبشّر برجال دولة، بل بـكائنات هجينة غريبة الأطوار مناضلون بلا مواقف، سياسيون بلا سياسة، وثوار موسميون لا يظهرون إلا في مواسم التزكيات والصفقات. وفي المقدمة دائمًا نفس الوجوه: “روّاد” في الفضائح أكثر منهم رواد فكر أو إصلاح، من تقلد يومًا رئاسة كيان طلابي علمي دون علم، اعتلى المنابر دون رصيد، وتدحرج اسمه بين ملفات تهرب ضريبي وشيكات بلا رصيد، قبل أن يُعاد تسويقه كـ”قائد مرحلة” أو “بديل مسؤول”. هكذا، بكل بساطة، تتحول الشبهة إلى تجربة، والفشل إلى مؤهل، والفراغ إلى سيرة ذاتية.
إنها سياسة بلا خجل في زمن المسخ السياسي، ونضال بلا تضحيات، حيث تُستبدل القناعات بالصور، والبرامج بربطات العنق والشعارات، والمساءلة بالصمت المأجور. أما المواطن، فلا مكان له إلا كديكور انتخابي، يُستدعى عند الاقتراع ويُنسى عند القرار.
باختصار، ما بعد أخنوش ليس سؤالًا عن من سيقود، بل عن كم من الوقت سيستمر هذا العبث، وكم من “مناضل مزيف” يجب أن يمر قبل أن نعترف بأن السياسة والنضال بريئان تمامًا من هؤلاء؛ نحن لا نعيش زمن السياسة بل زمن تمييعها. زمنٌ تحوّلت فيه الفكرة إلى لافتة، والنضال إلى ادعاء شفهي، والنكرة المشبوه إلى مناذل والحزب إلى ممرٍّ باللحم المفروم، تدخل إليه كل الأجساد الخارجة من الثلاجات السياسية بلا هوية ولا تاريخ. في هذا الزمن، لم تعد السياسة فن الممكن، بل فن التمويه، ولم يعد المناضل يُعرَف بما ضحّى به، بل بما صرّح به في أول كاميرا صادفها.
ما بعد أخنوش لا يفتح أفقًا جديدًا، بل يفتح باب المشرحة حيث تتكدّس أشباه السياسيين، مناضلون مزيفون “جاهزون للاستعمال”، خرجوا فجأة من العدم، يحملون سيرًا ذاتية خالية إلا من المناصب، ويتقنون خطابًا خشبيًا لا يعيش خارج المكاتب المكيفة هنا، في المكاتب السياسية، يصبح النضال وظيفة، والولاء مهارة، والصمت فضيلة وطنية. في زمن المسخ السياسي هذا، لم يعد غريبًا أن يدّعي كل من هبّ ودبّ صفة المناضل. من لم يحتج يومًا صار ثائرًا ومن لم يدفع ثمن موقف صار “حكيم مرحلة”، ومن طاف اسمه بين الفضائح يُقدَّم اليوم كـ”قيمة مضافة”.
السياسة، في هذا المشهد العبثي، تُغتَصب على مرأى الجميع، والنضال يُستعمل كقناع تنكري في حفلة تنكرية رديئة. تُستبدل المبادئ ببطاقات الانخراط، والبرامج بصور جماعية، والجرأة على قول الحقيقة بحسابات الوصول إلى الممر المركزي حيث تُوزَّع الغنائم لا المسؤوليات.
إنها مرحلة لا تحتاج إلى معارضة بقدر ما تحتاج إلى إنذار أخلاقي؛ السياسة بريئة من هؤلاء،
وأن النضال لا يسكن المكاتب،
وأن الوطن لا يُدار بمنطق “ادخل، وصوت وصفق واطحن و مرّر”.
أما السؤال الحقيقي، فلا يتعلق بمن سيأتي بعد أخنوش،
بل متى نُغلق هذا المسلخ السياسي..؟ ومتى نعيد للسياسة اسمها، وللنضال معناه، قبل أن يتحول الجميع إلى مناضلين بلا قضية. رحم الله السياسة والنضال والٱحزاب حين كان للنضال ثمن وحين صار له سماسرة في الزمنٍ الجميل، كان الدخول إلى السياسة مغامرة محفوفة بالخسارة؛ اعتقالات وسجون، نفي، تضييق، منع من الشغل، وعيش على الهامش. كان المناضل ابان ذاك الزمن الغابر يُعرَف من صحيفته و ندوبه لا من صوره، ومن صموده لا من عدد متابعيه. لم تكن المكاتب السياسية ملاجئ، بل أهدافًا، ولم تكن العضوية بطاقة عبور، بل حكمًا بالمواجهة. قارنوا زمن الزعماء بزمن “المناضل الفوري”، الذي يستيقظ صباحًا من العدم، ويدخل السياسة من بابها الخلفي، بلا تاريخ ولا مبادئ ولا موقف، ثم يطالب بمقعد في الصف الأول. لم يعرف قمعًا إلا حين انقطع عنه الدعم، ولم يذق مرارة النضال إلا عندما تأخرت التزكية. هؤلاء لم يمرّوا عبر الشارع، بل عبر ممرات اللحم المركزية، حيث تُطحن الأفكار وتُفرم المبادئ وتُقدَّم جاهزة للاستهلاك في الأمس البعيد، كان السياسي يُحاسَب لأنه قال “لا” اليوم، يُكافأ لأنه لم يقل شيئًا. في الأمس، كان الصمت تواطؤًا. اليوم، الصمت كفاءة سياسية. مناضلوا الأمس دخلوا السياسة لتغيير ميزان القوة ومرتزقة اليوم دخلوها لتغيير سياراتهم وشققهم الأوائل دفعوا من أعمارهم. والآخرون يفاوضون على تعويضاتهم قبل أن يبدأوا. وهنا تكمن الفضيحة الأخلاقية الكبرى أن يُوضَع من قاوم الاستبداد في الذاكرة ويُمنَح من قاوم المبادئ بالمايكروفون. أن يُحتفى بمناضلي الغفلة ويُستدعى السماسرة لإعطاء الدروس في “الالتزام” ليست السياسة هي التي انحطّت وحدها بل معايير الدخول إليها. وحين يصبح كل من هبّ ودبّ مناضلًا، اعلم أن النضال مات وأن السماسرة والانتهازيين يكتبون نعيه بأقلام رسمية.
وإذا كان زمن الستينات قد أنجب قادة وزعماء لأن السياسة كانت معركة، فإن ما بعد أخنوش لا ينذر إلا بإعادة تدوير المسخ نفسه أسماء تتبدل، مؤتمرات تُصفّق، ومنظومة باقية تُنتج مناضلين بلا نضال، وسياسة بلا شرف.









