حين يخطئ الوزير وهبي في فهم الدولة

هناوي الهادي15 يناير 2026Last Update :
حين يخطئ الوزير وهبي في فهم الدولة

المشكلة في المغرب ليست في الدستور، ولا في المؤسسات، ولا حتى في النصوص المتقدمة التي راكمتها المملكة عبر عقود، بل في بعض من اعتقدوا، خطأً أو وهمًا، أن الجلوس على كرسي الوزارة يمنحهم صكّ التحكم في كل شيء، ويجعلهم فوق ميزان الفصل بين السلط، وفوق هيبة القضاء، وفوق منطق الدولة نفسها، في هذا السياق، يطفو إلى السطح نموذج السياسي الذي يخلط بين ماضيه المهني  كمحامي وحدود موقعه الدستوري، فيتوهم أن صفة “وزير” تخوله ما لم يخوله له الدستور، وأن الخطاب الشعبوي يمكن أن يُستعمل للضغط، أو الإيحاء، أو حتى التهديد غير المباشر. وهو وهم خطير، لأن العدالة ليست ملحقة بالحكومة، ولا تابعة لوزير، مهما علا صوته أو طال لسانه، لقد تحوّلت المناصب عند بعض الساسة، من مسؤوليات ثقيلة إلى عبء على الدولة والمجتمع، ومن خدمة عمومية إلى وسيلة استعراض. منذ زمن والمغاربة يسمعون وعودًا، وأقسامًا، وخطبًا نارية عن النزاهة والاستقلالية، قبل أن يكتشفوا أن بعض من رفعوا تلك الشعارات سقطوا في أول اختبار للسلطة، ونسوا بسرعة ما كانوا يرددونه وهم خارجها. القضاء يا سادة ليس مجالًا للتوهم السياسي
هنا وجب التذكير، لا من باب التعليم بل من باب التحصين، بأن السلطة القضائية في المغرب محمية بالدستور، ومحصنة من كل أشكال التدخل. الفصل 109 واضح وصريح في منع أي محاولة للتأثير على القضاة أو على القضايا المعروضة عليهم، والقاضي لا يتلقى أوامر ولا تعليمات ولا يخضع لأي ضغط، كيفما كان مصدره. والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، باعتباره الضامن لاستقلال القضاء، ليس جهازًا شكليًا ولا تابعًا لأي وزير، بل مؤسسة دستورية سامية، تفصل وتحمي وتحصن العدالة من كل نزعة تسلطية أو حساب سياسي ضيق. ولا تفوتني الفرصة للتنويه بوكلاء الملك ورؤساء المحاكم والقضاة والقاضيات؛ في خضم هذا الضجيج  يُسجَّل لهم مواقفهم الثابتة والرصينة، وتمسكهم الصارم باستقلالهم، ورفضهم العملي لكل أشكال الضغط أو الإيحاء. هؤلاء لم ينجرّوا وراء التصريحات، ولم يتأثروا بالضوضاء، بل ظلوا أوفياء لرسالة القضاء، حراسًا لهيبة العدالة، ومجسدين فعليين لدولة الحق والقانون. كما أن موقف نادي قضاة المغرب، الرافض لأي تدخل في شؤون القضاء، أيًا كان مصدره، يعكس وعيًا مؤسساتيًا متقدمًا، وانخراطًا مسؤولًا في حماية ثقة المواطنين في العدالة، انسجامًا مع الدستور والتوجيهات الملكية السامية التي جعلت من استقلال القضاء خطًا أحمر لا يُسمح بتجاوزه. الدولة تُبنى بالاحترام، لا بالصوت العالي، وبالالتزام بالاختصاص، لا بتجاوز الحدود. ومن لم يستوعب بعدُ هذه القاعدة البسيطة، فمشكلته ليست مع القضاء بل مع فهمه للدولة نفسها.يتبع

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News