
الحلقة رقم 1
بوزنيقة ليست مدينة وُلدت صدفة، ولا مجالاً تُجرَّب فيه مواهب السياسيين ضعاف الخبرة. إنها مدينة بدأ تاريخها بقرار سلطاني، ونما عمرانها بإرادة دولة، ثم واصل رجالٌ من طينة خاصة بينهم الحاج محمد كريمين ما بدأه التاريخ، قبل أن تجد نفسها في السنوات الأخيرة تحت تسيير يهدد ما تحقق ويعيدها إلى دائرة الشك. من قصبة الملوك إلى تقاطع المدن حين وضع السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن حجر القصبة في القرن التاسع عشر، لم يكن يؤسس بناية عسكرية فقط، بل كان يرسم خريطة مركز استراتيجي سيصبح لاحقاً محوراً بين الرباط والدار البيضاء. حول القصبة تجمعت قبيلة الأعراب، أبناء عرب صبّاح الهلاليين، وبدأت النواة الأولى لمدينة ستكبر لاحقاً بفعل التاريخ لا بفعل الصدفة. ومع مطلع القرن العشرين، ظهرت الكنيسة الكاثوليكية كعلامة على مرحلة الاستعمار، ثم جاء توسيع الطريق الوطنية رقم 1 ليجعل من بوزنيقة ممراً لا يمكن تجاهله. وبعدها تعزز الموقع بخط السكة الحديدية سنة 1912، ما فتح أبواباً جديدة للتجارة والاستقرار, هذه العوامل صنعت مدينة ولدت على طريق الملوك والقرارات الكبرى، وانتقلت بين عدة تقسيمات إدارية إلى أن استقرت ضمن إقليم ابن سليمان كأهم جماعة حضرية بعد العاصمة الإقليمية، ابان مرحلة الحاج محمد كريمين حين كان للمدينة رئيس وعقل يدير وينجز، لكن التحول الحقيقي لم يأت فقط من التاريخ، بل جاء من محمد كريمين الرجل الذي حمل على كتفيه مشروعاً حضرياً لعقود، الرجل الذي عرف كيف يستقطب الاستثمار، ويحوّل بوزنيقة من قرية صغيرة إلى مدينة منافسة للحواضر الساحلية، مدينة نظيفة، منظمة، متحركة، تنبض بالمبادرات والمشاريع، مرحلة اعترف بها الخصوم قبل الأنصار، لم يكن كريمين معصوماً، لكنه كان يعرف كيف تُدار مدينة، وكيف تُخاطَب الدولة، وكيف يُقنع المستثمر، وكيف تُقاد جماعة إلى الأمام. ولذلك صعدت بوزنيقة في عهده، وأخذت شكلاً حضرياً أعاد لها الاعتبار واليوم هاهي بوزنيقة في غرفة تفتيش مفتوحة، لكن الزمن دوار والدهر تغيّر. وبدلاً من أن تُبنى المرحلة الحالية على ما سبقها، سقطت المدينة في تسيير مرتبك جعل لجنة تفتيش وزارة الداخلية تعود وتُقيم وتستقر، في مشهد لم تعرفه بوزنيقة في ذروة توسعها. منذ 12 نونبر إلى اليوم، واللجنة تحقق في التعمير، الجبايات، الصفقات،المشاريع…
26 يوماً من الافتحاص المتواصل، وكأن الجماعة لم تعد مؤسسة منتخبة، بل ملفاً مفتوحاً على طاولة الدولة وهنا يظهر الفرق بوضوح، مرحلة تُدار بثقة ووضوح ومرحلة تُدار بالارتباك وتنتظر التفتيش لتصحيح المسار. مدينة لها تاريخ دولة ولا تستحق تسييراً بمستوى الهواة حين نقرأ تاريخ بوزنيقة ندرك أن هذه المدينة تستحق مجالس تُضيف ولا تُهدم، تُصلح ولا تُبرر، تبني ولا تنتظر تدخل الدولة لتذكيرها بواجباتها. فالمدينة التي صنعتها القرارات الملكية، وعززها موقعها الاستراتيجي، ونهض بها رجال من وزن كريمين، لا يمكن أن تقبل بأن تتحول إلى ورشة تفتيش دائمة لأن المنتخبين فشلوا في تحويل الإرث إلى مشروع مستقبلي. السؤال السياسي الحقيقي اليوم ليس عن الماضي، بل عن الحاضر، كيف تنتقل مدينة بنتها الدولة ونهض بها رجال إلى وضع تحتاج فيه إلى لجنة تراقب كل ورقة وكل قرار..؟ بوزنيقة لا تحتاج إلى شعارات، تحتاج إلى مسؤولين يفهمون أن هذه المدينة ليست عبوراً في مسارهم السياسي، بل مسؤولية ثقيلة في مسارها التاريخي. وما لم يستوعب المجلس الحالي ذلك، فسيبقى الفارق صارخاً بين زمن بُنيت فيه بوزنيقة وزمن تُستنزف فيه بقرارات باردة لا تليق بها… يتبع
ترقبوا الجزء الثاني/
من هو طارق الخياري وأين تتجلى فلسفته وما الذي ….!!!









