تعنت حكومي يستقوي بأغلبيته داخل البرلمان ومجلس المستشارين لتقويض التنظيم الذاتي للصحافة

هناوي الهادي5 يناير 2026Last Update :
تعنت حكومي يستقوي بأغلبيته داخل البرلمان ومجلس المستشارين لتقويض التنظيم الذاتي للصحافة

حين يعبث رئيس الحكومة أخنوش بالصحافة ويُسلِّم مفاتيحها لوزير لا يعرف الفرق بين الثقافة والصحافة

في زمن العجائب والغرائب من تاريخ المغرب السياسي، لم تعد الحكومة تكتفي بتدبير الشأن العام، بل قررت أن تُعيد هندسة الصحافة على مقاسها، وأن تُلقّن الجسم الإعلامي دروسًا في “الاستقلال” بقانون مفروض، وبأغلبية عددية صمّاء، يقودها رئيس حكومة اسمه عزيز أخنوش، ويُنفذها وزير للثقافة والاتصال لا علاقة له لا بالثقافة ولا بالصحافة سوى بالكرسي الذي جلس عليه صدفة سياسية. مشروع تنظيم المجلس الوطني للصحافة لم يكن إصلاحًا، بل عملية سطو تشريعي، أُنجزت بعقلية المقاولة لا بعقل الدولة، وبمنطق “دبّر راسك” لا بروح الدستور. حكومة أخنوش، التي لم تشبع بعد من التحكم في السوق، قررت أن تمد يدها إلى الصحافة، آخر ما تبقى من مساحات النقد، وكأنها تقول من لم نُدجّنه اقتصاديًا، سنُقننه سياسيًا. أما وزير الثقافة والاتصال، فحدّث ولا حرج. وزير لا يحمل من الثقافة سوى الاسم، ولا من الإعلام سوى التوقيع، وجد نفسه فجأة وصيًا على مهنة عمرها قرن، وهو لا يفرق بين هيئة تحرير ونشرة إشهار، ولا بين التنظيم الذاتي والوصاية الحكومية. رجلٌ يصلح لإدارة مهرجان صور، لا لتأطير سلطة رابعة. العبث الحقيقي، أن هذا كله يتم باسم الأغلبية، تلك الأغلبية التي تصوّت بالإجماع على كل شيء حتى لو عُرض عليها قانون لتجويع الشعب، لرفعت الأيدي. ولو قُدم لها نص لإعدام النقاش العمومي، لصفقت؛  برلمان تحوّل من مؤسسة تشريعية إلى آلة تصويت أوتوماتيكية، في مشهد لا يسيء للصحافة فقط، بل يسيء للدولة نفسها. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة السخرية هو أن هذا العبث لم يحدث حتى في زمن وزير الداخلية والإعلام الراحل إدريس البصري رحمه الله.

نعم أكرر، بكل المفارقة التاريخية الثقيلة، هذا العبث لم يقع حتى في عهد الراحل إدريس البصري وزير الداخلية والإعلام السابق، الذي يُستحضر اليوم كشماعة جاهزة في زمنه، كانت القبضة واضحة، معلنة، مفهومة السياق. أما اليوم فالتحكم يُمارَس بربطة عنق، وبخطاب ناعم، وبقوانين “ديمقراطية” تمر بالإجماع، في سخرية لا تخلو من الوقاحة السياسية. الفرق أن المرحوم ادريس البصري لم يكن يختبئ خلف خطاب الإصلاح، ولم يدّعِ يومًا أنه يُحرّر الصحافة وهو يُكمّمها بالقانون لهذا، فإن لجوء الصحافيين والأحزالمعارضة»» إلى المحكمة الدستورية ليس ترفًا ولا تهويشًا، بل صرخة أخيرة في وجه حكومة قررت أن تلعب بكل شيء بالصحافة وبالبرلمان، وبمبدأ فصل السلط، في تحدٍّ سافر لروح الدستور، ولمكانة المؤسسة الملكية كضامن للتوازن والاستقرار. هذه ليست معركة قانون، بل معركة كرامة مهنة ومعركة دولة لا تُدار بمنطق الشركة ولا تُحكم بعقلية أغلبية لا ترى ولا تسمع ولا تفكر.

تنظيم المجلس الوطني للصحافة حين تتحول الأغلبية إلى أداة ضغط على استقلال الصحافة والقضاء
لم يعد الخلاف حول مشروع تنظيم المجلس الوطني للصحافة مجرد نقاش تقني أو اختلاف في وجهات النظر، بل تحول إلى اختبار حقيقي لاحترام مبدأ فصل السلط، وحدود تدخل الحكومة في مؤسستين يفترض فيهما الاستقلال التام الصحافة والقضاء. فالمشروع الذي دفعت به الحكومة الحالية، لم يأتِ ثمرة حوار مهني واسع ولا توافق داخل الجسم الصحفي، بل فُرض فرضًا بقوة أغلبية برلمانية عددية، تُصوّت بالإجماع على كل ما يُعرض عليها، دون نقاش جوهري، ودون اعتبار للتداعيات الدستورية والمهنية، وكأن دور البرلمان اختُزل في غرفة رفع الأيدي، لا في مؤسسة تشريعية تمارس الرقابة والتصويب. الخطير في هذا المسار، ليس فقط تجاهل اعتراضات الهيئات النقابية والتنظيمات الصحفية، بل المساس غير المباشر باستقلال الصحافة، عبر هندسة قانونية تُفصَّل على مقاس نخبة محددة، وتُقصي باقي الفاعلين، في تناقض صارخ مع روح الدستور الذي يكرّس حرية التعبير والتنظيم الذاتي للمهنة. وأمام هذا التعنّت الحكومي، الذي يستقوي بالأغلبية داخل البرلمان ومجلس المستشارين، قررت مكونات من المعارضة السياسية الاصطفاف إلى جانب الصحافة الغاضبة، ليس من باب المزايدة، بل احتكامًا إلى أعلى سلطة دستورية في البلاد، باعتبار أن المحكمة الدستورية تبقى الضامن الأخير لاحترام الدستور وحماية التوازن بين السلط. أربعة أحزاب من المعارضة بين ضفرين.! الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية، الحركة الشعبية، والعدالة والتنمية أعلنت دعمها الصريح للطعن في هذا المشروع، معتبرة أن ما جرى ليس إصلاحًا لقطاع الصحافة، بل محاولة لوضعه تحت الوصاية، عبر قوانين تُمرر بمنطق العدد لا بمنطق الشرعية الدستورية. إن أخطر ما في هذا الملف، هو تحويل الأغلبية السياسية إلى أداة لفرض قرارات جائرة، دون اعتبار لخطورتها، وكأن الإجماع العددي يعلو على الدستور، وكأن المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها المحكمة الدستورية، مجرد محطة شكلية لا أكثر وهو ما يشكل تحديًا غير مسبوق لمنطق التحكيم الدستوري ولمكانة المؤسسة الملكية كضامن لاحترام الدستور وحسن سير المؤسسات لهذا، لم يعد اللجوء إلى المحكمة الدستورية خيارًا سياسيا، بل ضرورة ديمقراطية، لحماية استقلال الصحافة، وصون القضاء من أي توظيف سياسي، ووضع حد لمنطق التشريع بالقوة، قبل أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة وتصبح الأغلبية العددية بديلاً عن الشرعية الدستورية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News