لم تعرف منظومة العدالة في المغرب، منذ حصوله على الاستقلال، هذا القدر من التوتر والاحتقان الذي تعيشه اليوم، ليس بسبب فراغ تشريعي ولا بسبب ضعف مؤسساتي، بل بسبب وزير عدل مثير للجدل اختار أن يكون طرفًا في الصراع بدل أن يكون حكمًا فوقه. فمنذ تعيينه، بدا السيد عبد اللطيف وهبي وكأنه في مهمة انتقام مفتوحة، يوزّع الوعيد و التهديدات، ويشهر لغة السجن في وجه كل من يجرؤ على الاعتراض أو النقد، وكأن العدل صار ملكية خاصة لا يجوز الاقتراب منها إلا بإذن. السادة القضاة، المحامون، العدول، كتاب الضبط كل مكونات العدالة وجدت نفسها فجأة في مرمى الاستهداف، لا لشيء سوى لأنها رفضت الخضوع لمنطق الإملاء والتعالي. وزير العدل، المحامي السابق، دخل في خصومة عبثية مع مهن كان يفترض أن يكون أول المدافعين عنها، فإذا به يحاصرها بالتشكيك، ويقابل مطالبها المشروعة بلغة التهديد و التخوين. إن ما يقع اليوم ليس مجرد خلاف مهني عابر، بل انحراف خطير في فهم السلطة والمسؤولية. فالعدالة لا تُدار بالعنتريات، ولا تُصلح بالتهديد، ولا تُبنى على تصفية الحسابات الشخصية. العدالة تُصان بالحوار، وبالاحترام المتبادل، وبالاعتراف بأن استقلال المهن القضائية خط أحمر لا يُساوَم عليه. ولا سلطان على القضاة ولذلك، فإن احتجاج أصحاب البذلة السوداء، ومن معهم من المتضررين، ليس تمرّدًا ولا فوضى، بل صرخة كرامة في وجه سياسة أرادت تركيع العدالة فزادتها تماسكًا. إنها رسالة واضحة؛ على السيد وهبي أن يعلم من يخاصم العدالة خاسر، مهما طال الزمن، ومهما على شأنه ومهما علت المناصب. الأخطر في الأمر أن رئيس الحكومة، المفترض فيه حماية التوازن المؤسساتي، اختار التفرج و الصمت، أو التواطؤ بالصمت، وهو صمت لا يُقرأ إلا كضوء أخضر لمواصلة العبث بقطاع سيادي وحساس. إن الدستور واضح والمسؤولية السياسية أوضح رئيس الحكومة مسؤول عن اختيارات وزرائه، وعن انزلاقاتهم، وعن الأضرار التي تلحق بالمؤسسات بسببهم. وعندما يتحول وزير العدل إلى عامل توتير دائم، ويصير مصدر احتقان داخل قطاع يفترض فيه الاستقرار، فإن المسؤولية لا تتوقف عند باب وزارة العدل، بل تصعد مباشرة إلى مكتب رئيس الحكومة. على كل مسؤول أن يعلم بأن احتجاج أصحاب البذلة السوداء، ومن معهم من المتضررين، ليس موجّهًا ضد شخص بعينه فقط، بل ضد نهج حكومي سمح بتغوّل وزير على العدالة، وضد قيادة تنفيذية اختارت الهروب إلى الأمام بدل تصحيح المسار. فالعدالة لا تحتاج وزيرًا يهدد، ولا حكومة تصمت، بل قيادة سياسية تتحمل مسؤوليتها كاملة أو ترحل.
بعد دعوة جمعية هيئات المحامين بالمغرب إلى عقد جمع عام استثنائي يوم السبت 10 يناير 2026، للحسم في الخطوات النضالية المقبلة، دخل ملف مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 23.66 مرحلة جديدة من التصعيد، في ظل حالة رفض واسعة تسود أوساط المحامين تجاه الصيغة الحالية للمشروع.
ويعتبر المعنيون بالمهنة أن النص المقترح يمس بشكل مباشر الأسس الجوهرية التي تقوم عليها المحاماة، وعلى رأسها مبدأ الاستقلالية وحصانة الدفاع، ما فتح الباب أمام انتقال واضح من منطق الحوار إلى منطق الاحتجاج، دفاعًا عن مكتسبات تاريخية داخل منظومة العدالة.
وفي هذا السياق، برزت تحذيرات حقوقية ومهنية من التداعيات المحتملة لهذا المشروع على مستقبل المهنة وأدوارها داخل النظام القضائي، حيث يُنظر إلى التوجهات التي يحملها القانون باعتبارها لا تهدف إلى تنظيم المحاماة بقدر ما تفرض قيودًا تُضعف استقلاليتها وتحد من وظيفتها الأساسية في حماية الحقوق والحريات.
لم يعد ما يجري داخل قطاع العدل مجرد سوء تفاهم عابر، بل أزمة ثقة عميقة صنعها وزير اختار كسر الجسور بدل ترميمها. فمع انتقال جمعية هيئات المحامين بالمغرب إلى التصعيد، أكرر ما أسلفت ذكره يتأكد مرة أخرى أن سياسة الإقصاء والاستخفاف بالحوار التي تنهجها وزارة العدل لم تستهدف المحامين وحدهم، بل طالت القضاة، والعدول، وكتاب الضبط، وكل من يشتغل في قلب العدالة ويعرف معنى استقلالها.
إن تعطيل مسار الحوار حول مشروع قانون مهنة المحاماة، وضرب المنهجية التشاركية عرض الحائط، ليس خطأ تقنيًا ولا ارتباكًا تشريعيًا، بل خيار سياسي متعمد، يعكس عقلية تدبيرية ترى في المهن القضائية عائقًا يجب تطويعه لا شريكًا يجب احترامه. لذلك كان رفض المحامين للصيغة الحكومية رفضًا للدوس على استقلال المهنة وحصانة الدفاع، لا رفضًا لقانون في حد ذاته.
ما يحدث اليوم هو نتيجة طبيعية لتراكم الاحتقان داخل منظومة العدالة، حيث وجد القضاة أنفسهم في مرمى الشك، والمحامون في دائرة الاستهداف، والعدول وكتاب الضبط في الهامش المنسي. وعندما تُستباح المهن، يصبح الاحتجاج حقًا، والتصعيد واجبًا، دفاعًا عن عدالة لا تُدار بالأوامر ولا تُختزل في مزاج وزير. إن إعلان التوقف الشامل عن العمل ليس تصعيدًا عبثيًا، بل إنذارًا أخيرًا بأن العدالة لها حرّاس، وأن من يصرّ على كسرها سيتحمل وحده مسؤولية ما تكسّر.










