بنسليمان وسيدي بنور وجهان لعملة واحدة

هناوي الهادي3 يونيو 2026Last Update :
بنسليمان وسيدي بنور وجهان لعملة واحدة

هل سيتحول إقليم بنسليمان إلى ورش مفتوح للإصلاح ومحاسبة اللصوص “الشفارا لي خرجو على بنسليمان”، أم سيظل يكتفي بمشاهدة قطار التنمية وهو يمر أمامه..؟

في السياسة الترابية لا وجود للصدف، فحين تتشابه النتائج تتشابه معها المسؤوليات. ومن يتأمل اليوم حال إقليم بنسليمان لا يملك إلا أن يستحضر ما عاشه إقليم سيدي بنور لسنوات طويلة من أعطاب تنموية واختلالات هيكلية، وكأن القدر الإداري أصر على أن يجعل من الإقليمين وجهين لعملة واحدة. فالعامل الذي غادر سيدي بنور تاركاً وراءه إقليماً يئن تحت وطأة ضعف البنيات التحتية وهشاشة الخدمات الأساسية، وجد نفسه على رأس بنسليمان الربوع المهمش و “المحگور” عاصمته لا يوجد بها مسبح ولا فنادق ولا مناطق صناعية كالموجودة بمدينة بوزنيقة المرشحة لتصبح عمالة قريبا وستنضم لها جماعتي عين تيزغة وشراط والمنصورية،أما بنسليمان فإنها لا زالت متخلفة ومتأخرة عن ركب المدن، طرق محفرة و مشاريع متعثرة، مجالس منتخبة دون المستوى، جمود وحركة مشلولة بالادارات باستثناء إدارة الضرائب وشركة الماء والكهرباء والمحكمة الابتدائية ومؤسسة الكتابة العامة بالعمالة ومؤسسة DAI وقواد الملحقات وعناصر الأمن الوطني ورجال الدرك الملكي والانعاش الوطني، دون هذا تبقى ببنسليمان انتظارات تنموية أكبر من حجم المنجزات الغير موجودة أصلا،
في الوقت الذي نرى فيه سكان بنسليمان يأملون أن يشكل التغيير الإداري فرصة لفتح صفحة جديدة من التنمية الحقيقية، لكن يبدو أن عقارب الساعة ما زالت تدور في المكان نفسه. المدينة ما زالت تعاني الخصاص في التجهيزات والخدمات الصحية الأساسية، حيث يتحول المستشفى الإقليمي كل يوم و في كثير من الأحيان إلى مجرد محطة عبور نحو مستشفيات الرباط والدار البيضاء. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، هل نحن أمام تشابه عابر في الظروف بين أرض سيدي بنور وسيدي محمد بنسليمان، أم أمام نسخة إدارية تتنقل من إقليم إلى آخر حاملة معها الوصفة نفسها والنتائج نفسها..؟

افتتاحية الشهر

حين تتقدّم المشاريع الملكية… ويتأخر الإقليم في الوقت الذي تستعد فيه منطقة المنصورية وإقليم بنسليمان لاحتضان مشاريع ملكية كبرى ستغيّر وجه المنطقة لعقود قادمة، وفي مقدمتها الصرح الرياضي العملاق والبنيات الموازية التي سترافقه، يحق للرأي العام أن يطرح سؤالاً بسيطاً ومشروعاً، ماذا أضافت الإدارة الترابية الحالية والمجالس المنتخبة للإقليم حتى تُنسب إليها ثمار هذه الأوراش المستقبلية..؟
الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها ، هذه المشاريع الاستراتيجية ياسادة هي ثمرة رؤية ملكية بعيدة المدى، وليست نتيجة مخططات محلية أو مبادرات إقليمية. فبينما كانت الدولة ترسم مستقبل المنطقة، بعد العامل بنجلون والظريف ومصطفى المعزة وفطاح ظل إقليم بنسليمان، في نظر الكثير من المتتبعين، واقفاً في مكانه لا يتقدم إلا ببطء شديد، رغم مرور مدة ليست بالقصيرة على تعيين عامل سيدي بنور السابق على رأس الإقليم. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ما الذي منع أو يمنع عامل الإقليم الحالي من فتح ملفات ظلت لسنوات موضوع حديث الساكنة والمتابعين..؟ أين وصلت حقيقة ما سُمّي بالمنطقة الصناعية التي تحولت مع مرور الزمن إلى تجمعات سكنية..؟ ومن يراقب مصير الحدائق والمرافق العمومية كنادي التنس و المسبح البلدي، المرافق التي اختفت وخربت ، تدمرت و تدهورت..؟ و أين ذهبت أموال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبرامج “أوراش” و”فرصة”، والمنح التي يتحدث المواطنون عن استفادة مقربين من المنتخبين منها دون وجه حق..؟ و ماذا عن ملفات المنتخبين والرؤساء الذين صدرت في حق بعضهم أحكام قضائية، بينما ما زالت أسئلة كثيرة معلقة دون أجوبة واضحة..؟ والأدهى من ذلك أن الانطباع السائد لدى عدد من المتتبعين أن عجلة الإقليم لا يديرها من يوجد في الواجهة، بل يديرها رجال السلطة الميدانيون  الكاتب العام ورئيس قسم DAI ورؤساء الدوائر وقواد الملحقات والموظفون الأكفاء داخل الإدارات العمومية الذين يشتغلون بصمت وبروح وطنية عالية كما أسلفت ٱعلاه. فإدارة الضرائب، ومصالح الإنعاش الوطني، وشركات الماء والكهرباء، والمقاولات الجادة، والمنعشون العقاريون، ومؤسسات القطاع الخاص، هي التي تواصل العمل اليومي وتحافظ على الحد الأدنى من الدينامية الاقتصادية والتنموية، أما المنتخبون وبعض المسؤولين بمديريات التجهيز والتشغيل والاوقاف والتعاون الوطني والفلاحة ورؤساء بعض الجماعات الترابية، يبدو أن جزءاً منهم منشغل أكثر بتبادل الصور والوعود والخطابات المناسبة لكل موسم انتخابي، بينما تنتظر الساكنة ببنسليمان أفعالاً حقيقية وقرارات جريئة تفتح ملفات الفساد والاختلالات وتربط المسؤولية بالمحاسبة.
صحيح أن المشاريع الملكية القادمة ستمنح بنسليمان فرصة تاريخية للخروج من دائرة الانتظار، لكن نجاحها لن يكون شهادة إنجاز لأي مسؤول محلي أو مجلس منتخب، بل سيكون دليلاً جديداً على أن إرادة الدولة قادرة على صنع التنمية حتى عندما يعجز البعض عن مواكبتها. والسؤال الذي سيبقى مطروحاً إلى ذلك الحين هل سيتحول الإقليم أخيراً إلى ورش مفتوح للمحاسبة والإصلاح، أم سيظل يكتفي بمشاهدة قطار التنمية وهو يمر أمامه..؟

وفي النهاية، لا تُقاس قيمة العامل بعدد السنوات التي قضاها في مكتبه، بل بحجم الأثر الذي يتركه في ذاكرة الناس وعلى أرض الواقع. فإقليم بنسليمان، منذ إحداثه سنة 1977، عرف أسماءً طبعت مساره الإداري والتنموي، من عبد الخالق بنجلون الذي رسخ ثقافة القرب من المواطنين، إلى امحمد الظريف الذي غيّر ملامح المدينة وحوّلها من قرية هادئة إلى فضاء حضري حديث، مروراً بالراحل محمد اعسيلة و محمد فطاح ومصطفى المعزة تركوا بصمات لا تزال شاهدة عليها الشوارع والحدائق والمرافق والمنجزات. أما حين يُستحضر اسم عبد المجيد العلالي الطبيب الذي جاءوا به من عيادته من ” لحمارة للطيارة” وكان اسرع عامل أقيل بعد أشهر، أما الكارثة عبد الكبير بوعسرية، الذي عمّر بالإقليم ستة عشر عاماً كاملة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو، أين هي البصمة التي تركها لتوازي طول المدة..؟ فالتاريخ الإداري لا يحفظ عدد السنوات، بل يحفظ ما أُنجز خلالها. وبين من مروا سريعاً وتركوا أثراً باقياً، ومن مكثوا طويلاً دون أن يغيّروا واقعاً أو يفتحوا أفقاً جديداً للتنمية، يبقى الحكم الأخير بيد الساكنة وذاكرة المكان. واليوم، وبينما تتطلع بنسليمان إلى مستقبل يليق بموقعها وإمكاناتها، من مستشفى جامعي وكليات متعددة التخصصات ونقل حضري عصري ومناطق صناعية قادرة على خلق فرص الشغل، فإنها لا تحتاج إلى مسؤولين يضيفون سنوات إلى الأرشيف الإداري، بل إلى رجال دولة يضيفون مشاريع إلى رصيد التنمية. فالأقاليم لا تُخلَّد بأسماء من جلسوا طويلاً على الكراسي، وإنما بأسماء من تركوا وراءهم ما يجعل المواطنين يذكرونهم بالإنجاز لا بالمدة، وبالأثر لا بالمنصب.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News