في كل موسم انتخابي، يخرج علينا سماسرة السياسة و «الشناقا» من جحورهم، لا يحملون مشروعًا ولا برنامجًا، بل حقائب مليئة بالوعود الكاذبة والتزكيات المعروضة للبيع في سوقٍ سياسي بائس. هناك، تتحول الأحزاب إلى دكاكين، وتتحول التزكية إلى سلعة تُباع لمن يدفع أكثر، بينما يُدفع بالمواطن البسيط إلى واجهة المسرحية ليصدق أن الأمر يتعلق بالديمقراطية. إنهم تجار الانتخابات الذين أفسدوا السياسة، ولوثوا العمل الحزبي، وجعلوا من صناديق الاقتراع مجرد محطة أخيرة لصفقات عُقدت في الظلام قبل أن يبدأ السباق.

عندما تتحول الأحزاب
إلى مصانع للأزمات
لم يعد المغاربة في حاجة إلى كثير من التحليل لفهم سرّ الاختناق الذي تعيشه الحياة السياسية. فالصورة باتت واضحة قادة أحزاب يتناوبون على المنابر والوعود، لكن حصيلة سنواتهم في تدبير الشأن العام كانت شيئًا آخر تمامًا قرارات أرهقت جيوب المواطنين، سياسات عمّقت البطالة، وارتفاع متواصل في أسعار المحروقات والمواد الأساسية. ومع ذلك، لا يزال بعضهم يحلم بالعودة إلى رئاسة الحكومة، وكأن الذاكرة الجماعية للمغاربة قصيرة، أو كأن ما عاشه المواطن من غلاء ومعاناة مجرد تفصيل عابر في سجل السياسة.
لقد قيل قديمًا إن التنمية لا يمكن أن تزدهر في تربة الفساد، وإن الديمقراطية لا تقوم فوق أرضٍ تحتلها الانتهازية. هذه الحقيقة التي تبدو بديهية اليوم، سبق أن لخصها المؤرخ الكبير ابن خلدون في مقدمته حين ربط ازدهار الدول بنزاهة الحكم وعدالة التدبير، وحذر من أن الفساد حين يتسلل إلى مؤسسات الدولة يحول العمران إلى خراب. وكأن ما كتبه قبل قرون كان رسالةً موجهة إلى حاضرنا.
فالواقع يكشف أن عدداً من الأحزاب التي يفترض فيها تأطير المواطنين وتربية النخب السياسية، تحولت مع مرور الزمن إلى هياكل منهكة تتنازعها المصالح الشخصية والحسابات الضيقة. ولم يعد العمل الحزبي لدى البعض وسيلة لخدمة المجتمع، بل سلّمًا للوصول إلى الامتيازات والنفوذ. لذلك لم يكن مستغربًا أن تكشف تقارير المجلس الأعلى للحسابات عن اختلالات في تدبير الأموال العمومية المخصصة لدعم الأحزاب، وهو ما أثار جدلًا واسعًا ودفع هيئات مدنية، من بينها الجمعية المغربية لحماية المال العام، إلى المطالبة بفتح تحقيقات قضائية في هذه الخروقات.
المفارقة أن بعض الأحزاب بدل أن تتوقف لحظة مراجعةٍ ونقدٍ ذاتي، اختارت طريق الهجوم على المؤسسة التي كشفت الاختلالات. وكأن المشكلة ليست في الممارسات التي أُثيرت حولها الشبهات، بل في من تجرأ على كشفها. هكذا تتحول السياسة من فضاء للمساءلة والإصلاح إلى حلبة للدفاع عن الأخطاء وتبريرها.
الأخطر من ذلك أن هذه الصورة القاتمة عمّقت الهوة بين الأحزاب والمجتمع. فالمغاربة، وخاصة الشباب، باتوا ينظرون إلى العمل الحزبي بكثير من الشك واللامبالاة. وتشير تقارير صادرة عن المعهد المغربي لتحليل السياسات إلى نسب عزوف مرتفعة عن الانخراط في الأحزاب، بلغت مستويات قياسية في السنوات الأخيرة. وهذا مؤشر مقلق، لأنه يعني أن الوسيط الطبيعي بين الدولة والمجتمع يفقد تدريجيًا شرعيته وثقة المواطنين.
كما أن التضخم الحزبي نفسه أصبح جزءًا من المشكلة. فالمشهد السياسي يضم عشرات الأحزاب، بعضها لم ينجح طوال تاريخه في الحصول حتى على مقعد برلماني واحد. وفي تجارب سياسية أخرى، تُفرض عتبات انتخابية واضحة تجبر الأحزاب الضعيفة على الاندماج أو إعادة ترتيب صفوفها حتى لا يتحول التعدد إلى فوضى تنظيمية تفرغ العمل السياسي من معناه.
غير أن الأزمة ليست وليدة اللحظة فقط. فالتاريخ السياسي للمغرب شهد مراحل معقدة أثرت في تطور الأحزاب. خلال ما عُرف بسنوات الرصاص، لم تكن العلاقة بين الدولة وبعض القوى السياسية سهلة، وشهدت تلك المرحلة توترات وصراعات تركت آثارها على بنية الأحزاب ومصداقيتها. ومع مرور الزمن تراكمت عوامل الضعف الداخلي والانقسامات الشخصية، فتحولت بعض التنظيمات إلى كيانات هشة يسهل اختراقها أو تفريخ أحزاب جديدة منها كلما احتدمت الخلافات. لكن مهما كانت الأسباب، فإن النتيجة واحدة: أحزاب ضعيفة، فاقدة للثقة الشعبية، وغير قادرة على لعب دورها الكامل في تأطير المجتمع وصناعة السياسات. وهذا الوضع يضع البلاد أمام مفارقة خطيرة؛ فالدستور يمنح الأحزاب دورًا محوريًا في الحياة السياسية، لكن الواقع يكشف عن فجوة واسعة بين النص والممارسة.
والحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تزدهر في ظل الفساد أو سوء التدبير. فحين تتسرب الاختلالات إلى المؤسسات السياسية نفسها، يصبح الحديث عن الإصلاح مجرد شعارات. لذلك فإن المعركة ضد الفساد ليست ترفًا سياسيًا ولا شعارًا انتخابيًا، بل شرطًا أساسيًا لبناء الثقة واستعادة الأمل في العمل العام.
لقد نجحت دول كثيرة في تجاوز مآسيها حين امتلكت الإرادة الصارمة لمحاربة الفساد بلا تردد. وتجربة رواندا مثال واضح على أن الأمم تستطيع النهوض حتى من تحت الركام عندما تضع النزاهة والمحاسبة في صلب مشروعها الوطني. أما الدرس الذي يجب أن يستوعبه الجميع فهو بسيط وواضح لا تنمية حقيقية مع الفساد، ولا ديمقراطية راسخة مع أحزاب فقدت ثقة الناس. فإما أن تستعيد الأحزاب دورها الطبيعي كمدرسة للنزاهة والكفاءة، أو سيظل المواطن ينظر إليها كجزء من المشكلة لا كجزء من الحل.









