افتتاحية الأسبوع الأول من نونبر..

يبدو أن وزير العدل اختار أن يسجل اسمه في ذاكرة السياسة المغربية لا كإصلاحي كما وعد، بل كرجل يهوى تكميم الأفواه وفتح “الأحزمة”، في واحدة من أكثر المفارقات سخرية في المشهد الحكومي الحالي، الرجل الذي كان يوماً ما يتغنى بخطاب النضال اليساري ويدّعي الدفاع عن الحريات، صار اليوم رمزاً لسلطةٍ مشوَّهةٍ تمارس الوصاية على القضاة، وتتعامل مع الصحافة كعدو يجب إخراسه، ومع المجتمع المدني كخصم سياسي ينبغي تأديبه، من المثير أن وزير العدل الذي يرفع شعار “الحرية الشخصية” حين يتعلق الأمر بالعلاقات الرضائية، هو نفسه من يقود حملة خنق حرية الرأي، وكأن مشروعه التشريعي يقوم على تحرير الجسد وتقييد الفكر..! لقد تحولت وزارته، التي يفترض أن تكون “ أم الوزارات” إلى مختبر لتجريب القوانين الانتقائية، يسنّ ما يخدم صورته الإعلامية، ويكمّم ما يهدد سلطته السياسية بالسجن، أول وزير في تاريخ الحكومات المغربية حطم الرقم القياسي في متابعة الصحفيين. الرجل بين “فكٍّ” و“ربطٍ” تاه المعنى الحقيقي للحرية. وهبي اليوم لا يرى في النقد إلا تطاولاً، ولا في الصحافة إلا خصماً، ولا في الاختلاف إلا تهديداً لمجده الزائف. لكنّ التاريخ لا يرحم، وسجلات السياسة لا تحفظ إلا أسماء أولئك الذين احترموا عقول الناس قبل أن يفرضوا سلطتهم عليهم، فلو كان وهبي يدرك حقاً معنى النضال الذي يفاخر به، لعلم أن الحرية لا تُمنح ولا تُقنَّن، بل تُحترم. ولو كُمّم فمه كما يحاول أن يُكمّم الآخرين، لما عرفه أحد، ولما كان ليصل إلى الكرسي الذي يجلس عليه اليوم كوزير عدل، في الوقت الذي تُثير فيه المادة 51 المكرّرة من مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب جدلاً واسعاً بين الفاعلين السياسيين والحقوقيين، بسبب ما تتضمّنه من عقوبات سالبة للحرية ضد من ينشر “أخباراً زائفة” أو “وقائع مدلسة” تمس المرشحين والناخبين، يطفو إلى السطح سؤال أكثر إلحاحاً، من يحاسب الأحزاب التي جعلت من التزكيات سوقاً مفتوحة للبيع والشراء..؟القانون الجديد، الذي يهدد بالسجن من سنتين إلى خمس سنوات كل من “نشر أو وزّع خبراً زائفاً بقصد التشهير بمرشح”، يُفترض أنه جاء لحماية العملية الانتخابية وضمان نزاهتها، غير أن الواقع يكشف مفارقة صارخة:
فكيف يمكن تجريم النقد في زمنٍ يتحوّل فيه بعض الأمناء العامين إلى سماسرة سياسيين، يوزّعون التزكيات بالمقابل المالي، ويفتحون أبواب الحزب لكل من هبّ ودبّ، دون رصيد نضالي أو التزام أخلاقي…؟ لقد تحولت بعض الأحزاب، التي يفترض أن تكون مدارس لتأطير المواطنين، إلى أسواق لتصريف المصالح والولاءات، يترشح باسمها اليوم رؤساء جماعات وبرلمانيون تحوم حولهم شبهات فساد واختلاس وتزوير، بينما يُقصى المناضل النزيه لأنه لا يملك “الوسيلة” أمام هذا الواقع المشين، يصبح الحديث عن “نزاهة الانتخابات” مضحكاً مبكياً في آن واحد، لأن من يلوث السياسة بالمال، هو أول من يتباكى على سمعتها. إن الخطورة لا تكمن فقط في نص المادة القانونية، بل في المناخ السياسي الذي جاء فيه، حيث لم تعد الأحزاب قادرة على ممارسة النقد الذاتي أو إصلاح بيتها الداخلي. بل نسمع اليوم بعض الأمناء يتحدثون عن “حماية نزاهة الانتخابات” في الوقت الذي يتاجرون في التزكيات ويشترون الذمم باسم الديمقراطية. فأي مصداقية يمكن أن تُمنح لحزب يبيع التزكية بملايين الدراهم، ثم يطالب بتجريم “الإشاعات الانتخابية”..؟ القانون، في جوهره، قد يكون مبرراً إذا تمّ في سياق انتخابات نزيهة، تُحترم فيها الشروط الأساسية للديمقراطية، حياد الإدارة، شفافية التمويل، وتكافؤ الفرص بين المرشحين. لكن من غير المنطقي أن نجرّم من ينتقد أو يفضح فساد المرشحين، بينما تُمنح الشرعية السياسية لمفسدين اعتادوا شراء الأصوات والعقول، المطلوب اليوم ليس تكميم الأفواه، بل تطهير المشهد الحزبي من الانتهازيين والمضاربين السياسيين.
فلا معنى لقانون يحمي الفاسدين من النقد، ويصمت عن أولئك الذين شوّهوا صورة الأحزاب، وساهموا في عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية، إن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل منظومة قيم ومسؤولية أخلاقية، تبدأ من داخل الحزب قبل أن تنتهي في قاعة البرلمان، حين تُغيب الأحزاب الشفافية في منح التزكيات، وتُقصي الكفاءات، وتُكافئ الولاءات المالية، فإنها تُقبر مستقبل السياسة في البلاد، وتمنح للعدمية مبررات جديدة للانتعاش. لهذا، قبل أن نُشرّع لتجريم “الأخبار الزائفة”، يجب أن نُجرّم أولئك الذين زوّروا المعاني النبيلة للسياسة، وباعوا التزكيات كما تُباع البضائع في الأسواق الأسبوعية، فالحقيقة التي يجب أن تُقال بصوت عالٍ، من شوّه السياسة ليس المواطن الذي ينتقد، بل السياسي الذي خان ثقة الناخب وباع ضميره بثمن بخس.










