الجزء الاول ( 1 ) من سلسلة ” وزراء وراء القضبان بسجن لعلو”
هل سنرى وسنعاين في عهد محمد السادس محاكمات من قبيل محاكمة الوزراء التي عرفتها مملكتنا في عهد الملك الراحل الحسن الثاني قبل 53 سنة لاسيما وأننا كما يقال بدولة المؤسسات ودولة الحق والقانون ..؟

متى يا ثرى سنرى الوزراء هذا العهد وراء القضبان بالسجن المركزي او بسجن عكاشة كما رايتهم انا وراءهم ابناء جيلي قبل 53 سنة وكان ذلك يوم الثلاثاء 9 نونبر 1971، وصلت سيارات الأمن الوطني في الصباح مقلة الوزراء المصفدين من مبنى الإدارة العامة للأمن الوطني حيث استنطقتهم الشرطة القضائية.
في ليلة الاثنين، سمعت قبل ايداعهم السجن أن إدارة السجن قامت بإفراغ الزنازين الفردية بالحي الأوروبي في جنح الليل استعدادا لاستقبال الوزراء في الصباح، إذ أن الإدارة كانت على علم مسبق بالضيوف الوافدين الجدد وبعددهم. صباح الثلاثاء
حضر نائب وكيل الملك بمحكمة العدل الخاصة للإشراف بمعية كاتب الضبط، في ساحة السجن الخارجية، على تقييد الوزراء المتهمين الذين تسلمتهم النيابة العامة من الشرطة وأمرت بوضعهم في السجن رهن إشارة قاضي التحقيق.
وصلت “الصطافيطات” الى السجن وعلى متنها لصوص الوطن بعد دخولها بدأ الوزراء المعتقلون ينزلون 26 معتقل كان في مقدمتهم وزير المالية ٱنذاك مامون الطاهري، جرد كل واحد منهم من كل شيء كأي “حباس”.. خاتم، ساعة، ربطة العنق، حزام خيوط الحذاء. وبعد تسجيلهم وضع كل واحد منهم في زنزانة انفرادية ، لكن المثير للعجب أن هؤلاء الوزراء اللصوص كانت إدارة المعقل تلبي لهم كل ما يريدون من الوجبات الغذائية التي كانت تحضر كل يوم في وقتها من طرف مطعم “جور إي نوي”المشهور بالعاصمة الرباط. في البداية استحسن المغاربة كثيرا مساءلة ومحاسبة وزراء وموظفين كبار سابقين وتقديمهم للعدالة بتهمة الرشوة والفساد واستغلال النفوذ واختلاس أموال الشعب، اعتقدنا أنها بداية إصلاح فعلي، لاسيما وأن أغلبيتهم الساحقة كانت مكتوية آنذاك بلهيب اختلاس المال العام والرشوة في مختلف الأصعدة، لأنها كانت عصب النهج المعتمد في التدبير والتسيير،
كان المغاربة البسطاء ينتظرون الحقيقة، كل الحقيقة، غير أنه لم تتوفر لهم سبل معرفتها، إذ لم يسمح لهم إلا بالقدر اليسير منها، الكافي لذر الرماد في العيون لتظل دار لقمان على حالها، وبذلك استمر التاريخ في إعادة نفسه ببلدنا السعيد، من خلال المزيد من استشراء الرشوة والفساد وتكريس التهميش والإقصاء والإصرار على اغتيال طموحات الشعب والتي ظل يجترها منذ أن حلم بمغرب ما بعد 1956، لكن معاهدة إيكس ليبان كانت المقصلة التي حكمت مسبقا بالإعدام على تلك الآمال، وهذا ما عاينه المغاربة البسطاء بالملموس بعد محاكمة وزراء الملك الحسن الثاني، التي كانت انطلاقة للتصدي للفساد والمفسدين وعرضت كأنها عملية جراحية لاستئصال هذا الداء من جسم المغرب.
في منتصف المحاكمة بدأ يسود شك كبير بخصوص الرغبة في إصلاح وتطهير فعليين، لاسيما بعد تناسل أخبار عن مساومات ومفاوضات بين القائمين على الأمور والمتهمين، لدرجة أن الشارع المغربي أيقن أن ما قدم من إجراءات للتصدي للرشوة والفساد هو مجرد ضربة سيف في الماء. وتأكد هذا المنحى بمعاينة استمرار مرتشين وفاسدين في مناصب عليا آنذاك دون أن تتملكهم أدنى خشية أو خوف مما يجري ويدور، كأن شيئا لم يحدث.
لكل واحد من الوزراء، نزلاء سجن العلو، نهجه وطريقته في قتل الوقت وراء القضبان وخلف الأسوار العالية.
فالشفشاوني كان يعيش في صمت مطبق، وعندما يتكلم يقول: اصبر على المكتوب؛ في حين كان عبد الحميد كريم يبقى ساهما متأملا وكأنه لا يصدق ما جرى، خلافا لتصرف عمر بنمسعود الذي كان ثائرا غاضبا لا يقوى على السيطرة على أعصابه.
أما مامون الطاهري فكانت حالته سيئة بالسجن، لا يتكلم إلا نادرا وللضرورة وعند اللزوم فقط.. كان دائما يبدو كئيبا غارقا في التفكير، يستيقظ باكرا قبل الجميع ليتوضأ ويصلي ويتلو القرآن، كان يتلو القرآن والأوراد والأذكار، ما عدا عندما كان يتناول طعامه الذي يأتيه من منزله في كل الأوقات. واختار ناصر بلعربي التودد لكل سجين وجذب أطراف الحديث في أي شيء.
بخصوص محمد الجعايدي، فقد كان يفضل الاسترخاء والتأمل، في حين حاول عبد الكريم الأزرق العيش كأنه خارج السجن.
لم يكن محمد العيماني “يتسوق لأي شيء” كما يقال، يتمرن كثيرا كل صباح، وبعد تناول الفطور يدخن سيجارته الأولى بنشوة كبيرة، وكان يأكل بشهية مفرطة ويمطر الحراس بسيل من الكلام غير اللائق. وكان محمد الجعايدي يعيش عيشة البرجوازي الأرستقراطي حتى خلف القضبان الحديدية، كلما قام للأكل كان يعلق المنديل على صدره أو ينشره على ركبتيه.. كان يغني ويمرح كأن شيئا لم يقع.
مع بداية التحقيق التفصيلي تم تفريق المعتقلين وتوزيعهم على السجون المتفرعة عن سجن العلو بالعاصمة، الرباط، إذ نقل عمر بنمسعود وعبد العزيز ناصر بلعربي إلى سجن السويسي، أما مامون الطاهري ومحمد الجعايدي وعبد الحميد كريم فأودعوا بسجن المطار بسلا، ونقل يحيى الشفشاوني إلى المستشفى قصد العلاج حيث مكث هناك مدة طويلة.
عزل عمر بنسمعود داخل سجن السويسي عن بقية المعتقلين، وهناك كان يطبق على الوزراء وكبار الموظفين المعتقلين نظام السجن دون تمييزهم عن الآخرين خلافا لما كان يجري به العمل بسجن العلو.. فكانوا يصطفون مع السجناء في الصباح للمناداة عليهم ومراقبة حضور نزلاء السجن، ولا يخرجون إلى الفسحة بساحة السجن إلا في الأوقات المحددة لذلك بدون أي تمييز، إلا أن زياراتهم كانت تخضع لنظام خاص مخالف عن باقي السجناء.
أما في سجن المطار بسلا، كان المعتقلون يقضون يومهم في حديقة السجن ينعمون بأشعة الشمس والهواء النقي ومجاذبة أطراف الحديث مع بعضهم البعض.
كان السجناء الثلاث بهذا السجن يقطنون في زنزانة مساحتها 6 أمتار مربعة تقريبا، وكل نزيل له سريره الخاص وأدواته ومتاعه الخاص، إذ كان يجلب كل ما يريده من منزله، وكانت لهم مطلق الحرية في الدخول أو الخروج من الزنزانة والتنقل بينها وبين الحديقة تحت مراقبة الحراس من بعيد فقط، وكان أكلهم وشربهم يأتيهم يوميا من بيوتهم، وتزورهم عائلاتهم متى شاءت.
ومن غرائب مجموعة سجن المطار أن عبد الحميد كريم، لما اقترب 3 مارس، وهو اليوم الذي كان يصادف عيد العرش في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، تبرع على المساجين بثور ذبحوه احتفاءا بهذا العيد الوطني الذي كان يحتفل به ببهرجة تفوق الحد آنذاك.
زيارة الوزير الأول للسجن
ظلت عين الوزير الأول، الدكتور أحمد العراقي، على الوزراء والمواطنين السامين السابقين وهم رهن الاعتقال بسجن العلو بالرباط، إذ كان يزورهم بانتظام.
وخلال هذه الزيارات كان يتصل ببعض المتهمين، لاسيما أعضاء حكومته السابقة، وقد استغرب الكثيرون آنذاك تكرار مثل هذه الزيارات والحرص على انتظامها من طرف رئيس الوزراء، وهو شخص ذي وزنه السياسي والاجتماعي.
بدا بجلاء بأن زيارات الدكتور أحمد العراقي لسجن العلو لم تكن فقط لمواساة صهره المعتقل، الجعايدي، وإنما يتعلق الأمر بإسداء النصح للمعتقلين حتى لا يسقطوا في زلة إنكار ما هو مثبت في محاضر الشرطة خصوصا وأن ما كتب بها لم يكن تحت ظروف الضغط أو التعذيب كما كان جاري به العمل آنذاك بخصوص أغلب الملفات والنوازل المعروضة على السلطات الأمنية قصد البحث والتقصي بصددها.
المحكمة المختصة.. من سينظر في قضية الوزراء؟
منذ بداية التحقيق تساءل الكثيرون بخصوص نوعية القانون الذي كان سيطبق في حق الوزراء المعتقلين، هل هو القانون الجنائي أم قوانين جنائية خاصة؟
وتساءلت الصحافة الوطنية بخصوص المحكمة المؤهلة لمساءلة الوزراء، لاسيما وأنه كانت توجد آنذاك محكمة عليا تنظر في جنايات الرشوة واستغلال النفوذ المرتكبة من طرف الوزراء أثناء ممارسة مهامهم، والتي صدر قانونها التنظيمي في 5 أكتوبر 1970، والاختصاص بالنسبة للوزراء وحدهم يرجع مبدئيا لهذه المحكمة.
علما أن محكمة العدل الخاصة أنشئت في 20 مارس 1965، ثلاثة أيام قبل انتفاضة 23 مارس بالدار البيضاء للنظر في قضايا الرشوة واستغلال النفوذ والزور والقضايا التي اتهم فيها الموظفون وشركاؤهم ولو لم يكونوا موظفين.
ففي فجر السبعينيات كان أغلب المحللين يرون أن المغرب، اعتبارا لتصنيفه ضمن البلدان المتخلفة، كان ينقصه الكثير من التربية الوطنية (روح المواطنة بلغة العصر الحالي)، وكانت آنذاك توجد في أساليب الحكم وتدبير الإدارة العمومية ثغرات ينفذ منها الفساد، لذلك وجد المشرع نفسه مضطرا، حسب القائمين على الأمور، لأن يشرع قوانين خاصة وأن يضع محاكم خاصة لمقاومة الفساد الإداري المتمثل آنذاك في الرشوة والغش واستغلال النفوذ. فإلى جانب محكمة العدل الخاصة، أنشئ دستور 1962 وسار على منواله دستور 1970، محكمة عليا لمحاكمة أعضاء الحكومة عما يرتكبونه من جنايات أثناء ممارستهم لمهامهم، آنذاك إذن كان قضاء عام وقوانين عامة من جهة، ومن جهة أخرى قضاء خاص وقوانين خاصة.
لكن رغم وجود محكمة العدل الخاصة منذ مارس 1965، ورغم وجود المحكمة العليا منذ 1962، فإن الرشوة والفساد ظلا موجودين، بل انتشرا انتشارا مروعا، واتضح منذ السبعينيات أن القوانين الزجرية لا تكفي ولابد من قوانين وقائية تضع حدا للتطلعات التي يقع ضحيتها أصحاب المسؤولية وتضيع بسببها البلاد وسمعة الدولة ومصالح المواطنين، وقيل آنذاك، إن من أهم القوانين الوقائية التي كان من المفروض اعتمادها وسنها قانون “من أين لك هذا؟” حتى يعرف كل مغربي يجلس على كرسي منصب المسؤولية أنه مطالب بتقديم بيان عن كل مكاسبه ومالديه فلا يجازف بمصلحة البلاد والعباد إرضاء لرغباته وخدمة لمصالحه الخاصة.
من أين لك هذا؟
شعار أرعب الكثيرين لكنه ظل حبرا على ورق
في فجر السبعينيات كثر الحديث عن قانون “من أين لك هذا؟”، وتساءل المغاربة البسطاء، هل سيطبق على الجميع أم سيقتصر على البعض دون الآخر؟ وهل سيتناول أعضاء الحكومات السابقة منذ 1956؟ أم أنه سيقتصر على أعضاء حكومة ذلك الوقت برئاسة الدكتور أحمد العراقي؟
في السبعينيات رغم تسلط القمع على الرقاب، ظلت كل القوى الحية للمجتمع تنادي بالإقرار وسن قانون “من أين لك هذا؟”، باعتبار أن التصدي للرشوة والفساد ومقاومتهما لا تكفي القوانين الزجرية للحد منهما، لأنها مجرد عقاب وليست وقاية ناجعة.
وقانون “من أين لك هذا؟” كان من شأنه وقتئذ أن يجعل كل موظف أو مسؤول يشعر فعلا أنه محاسب ومراقب منذ تسلمه المسؤولية على ما اكتسب بغير وجه حق، وأنه متابع على استغلال النفوذ لصالح الإثراء غير المشروع.
وكانت محاكمة وزراء الحسن الثاني مناسبة سانحة لسن قانون “من أين لك هذا؟” في نظر المغاربة البسطاء.
آنذاك طرح هذا القانون واعتبر مطلبا قويا وعادلا من حيث المبدأ، لكن كان يجب على من يطالب بسنه وإقراره ألا يكون مصنفا في عداد أولئك الذين وجب أن يقال لهم من أين لكم هذا؟
آنذاك ظهر أن جملة من الأشخاص كانوا لا يملكون قبل سنة 1956 أكثر من كتيبات صفراء، لكن أصبحوا يسكنون قصورا فخمة مؤثثة بالنفائس من كل أرجاء العالم، مثل هؤلاء لم يكن بوسعهم المطالبة بسن قانون “من أين لك هذا؟” لأنهم من الأوائل الذين سيكون عليهم الخضوع.
لذلك كان قانون “من أين لك هذا؟” شعارا أرعب الكثيرين فعملوا على أن يظل حبرا على الورق، ولازال كذلك حتى الآن، يترحم عليه المغاربة البسطاء، الذين ظنوا أن محاكمة وزراء الحسن الثاني محاكمة حقيقية للقطع مع الماضي ورسم غد مغاير، لكن ثبت لهم مرة أخرى، أن التاريخ يعيد نفسه ببلدنا السعيد.
أصحاب البذل السوداء في محاكمة الوزراء
المحامون الوزراء رفضوا الدفاع عن زملائهم في الاستوزار
قيل آنذاك إن الأستاذ المعطي بوعبيد كان من المحامين القلائل الذين قبلوا الدفاع عن أغلب المتهمين في محاكمة وزراء الحسن الثاني وذلك بأتعاب مهمة جدا، في حين رفض الكثير من المحامين المشهورين مؤازرة الوزراء المعتقلين، ومنهم امحمد بوستة، وزير العدل السابق آنذاك، والأستاذ عبد الكريم بن جلون وزير التعليم السابق، آنذاك رفض كل المحامين الوزراء الدفاع عن زملائهم الوزراء المعتقلين تفاديا للشبهة والانتقاد.
أكد المتتبعون للمحاكمة أن المحامين الصغار الذين قبلوا الدفاع عن المتهمين أغلبهم طلبت منهم المحكمة الدفاع عنهم في إطار المساعدة القضائية، وهذا أمر استغرب له الكثيرون.
كان عمر بنمسعود محظوظا، إذ آزره ابن أخيه الأستاذ عبد الواحد بنمسعود المحامي بهيئة الرباط آنذاك، أما مامون الظاهري، ففي البداية بدا أن كبار المحامين رفضوا التعامل معه، لذلك كلف الأستاذ تيسكيي فينيانكور المحامي الفرنسي الذي سبق له أن شارك في انتخابات الرئاسة، إلا أنه لم يقبل الدفاع عنه بالمغرب بفعل تشنج العلاقات بين المغرب وفرنسا بخصوص قضية اغتيال المهدي بنبركة، لهذا وكَّل محامين لبنانيين، هم الأستاذ هودارا والأستاذ عبود والأستاذ صباح، وأكد أكثر من مصدر آنذاك أن الأستاذ رضا كديرة الذي اعتذر عن الدفاع على صديقه الحميم مامون الطاهري، هو الذي وجهه إلى المحامين اللبنانيين.
الأستاذ امحمد بوستة يحتفظ بالملف المختفي
اختفى ملف فساد يتعلق بوزارة العدل، وعندما أرادت اللجنة البحث في مضمونه فتحت الصندوق فلم تعثر عليه.. لقد اختفى الملف، وعوض البحث في مضمونه فتحت اللجنة بحثا عنه.
لكن الأستاذ امحمد بوستة، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال ومحامي أحد الأطراف في هذه النازلة، أنقذ الموقف إذ كانت بحوزته نسخة من الملف المختفي.
ترجع نازلة هذا الملف إلى سنة 1969، حينما اكترت إحدى السيدات الجزائريات عمارة بشارع السنغال بالرباط بما قدره 700 درهم شهريا من مواطنين برتغاليين وأنشأت بها مدرسة خاصة للتجارة العصرية، آنذاك عرفت هذه المؤسسة إقبالا كبيرا إذ فاق عدد طلابها 800 نفرا.
لذلك فكرت صاحبتها اقتناء القطعة الأرضية المجاورة لها لتوسيع المدرسة التي ضاقت بطلابها، وهذا ما كان، إلا أن المديرة لم تتمكن من وضع اليد على القطعة الأرضية المقتناة لأن أحد الموظفين الوازنين بوزارة العدل اتصل بالبرتغالي مالك الأرض واقترح عليه شراءها بالثمن المتفق عليه مع مديرة المدرسة (25 مليون فرنك) من طرف مصلحة الأملاك المخزنية قصد وضعها تحت تصرف وزارة العدل لبناء مقر المحكمة الإقليمية بالرباط، وافق وزير العدل، عبد الحفيظ بوطالب آنذاك، وكذلك الوزير الذي عوضه من بعد، أحمد بنبوشتة، لكن عندما قام امحمد باحنيني، وزير العدل في فجر السبعينيات بزيارة لعين المكان ولورشة المحكمة، اكتشف ما لم يكن بالحسبان، بناية ستحتضن مقر المحكمة على قطعة صغيرة وسط البنايات السكنية ومتاجر البقالة، وبعد هذه المعاينة غير المنتظرة انكشف المستور، لقد تم الاتفاق مع مالك الأرض، البرتغالي، أن يتسلم 25 مليون فرنك ثمن أرضه ويمضي أنه باع العمارة وحدها لأحد الرباطيين المعروفين من عائلة ذائعة الصيت، وذلك بما قدره 9 ملايين من جهة، ومن جهة أخرى يمضي على أنه باع الأرض لمصلحة الأملاك المخزنية بما قدره 40 مليون فرنك، وبعد بيع الأرض اكتشفت الوزارة أن مساحتها غير كافية فاضطرت إلى اقتناء العمارة (المدرسة) التي بجانبها، وتم الاتصال بمالكها (الوهمي) الذي وافق على بيعها بالثمن الذي اختاره وطرد الطلبة من المدرسة لأن الوزير لا ترد كلمته بمغرب السبعينيات.
امحمد الدويري
من المعلوم أن اسم امحمد الديوري لم يرد ضمن بلاغ وزارة الأنباء وبلاغات وزارة العدل في شأن الاعتقالات والمتابعات المرتبطة بما عرف في سنة 1971 بمحاكمة الوزراء والموظفين السامين السابقين، لكن في جلسة يوم الأربعاء 10 نونبر 1971 بمجلس النواب، طالب أحد النواب بفتح ملف المركب الكيماوي بآسفي، وفعلا وعد الوزير المختص بذلك عندما أجاب على تدخل النائب وغيره من النواب بهذا الخصوص.
آنذاك تردد في كواليس البرلمان أن ما أثير بهذا الخصوص يعنى شمول البحث والتقصي في الملف المعني بالأمر منذ أن كان مشروع إحداث المركب الكيماوي بآسفي مجرد مخطط على الورق إلى أن تم تشييده.
كما تردد آنذاك في كواليس البرلمان أيضا أن امحمد الدويري متهم باختلاس أموال ضخمة تتعلق ببناء هذا المركب، ومما أثار الانتباه وقتئذ أن جريدة “لوماتان”، التي كان يديرها النائب البرلماني أحمد بن كيران، سبق لها أن تناولت هذا الموضوع في بعض افتتاحياتها.
آنذاك تساءل الكثيرون بخصوص إثارة هذا المشكل، لاسيما ارتباطه باتفاق مسبق بين أعضاء مجلس النواب لإثارته في ذلك الظرف بالضبط (انطلاق محاكمة الوزراء) أم أن الأمر كان مجرد صدفة؟
لكن الأكيد هو أن امحمد الدويري لم يكن ضمن لائحة المتهمين ولم تستدعه محكمة العدل الخاصة تحت أية صفة.
كما أن جريدة التحرير اتهمت امحمد الدويري، كوزير للاقتصاد الوطني والمالية، باختلاس أربعة ملايير فرنك في إطار تدبيره لملف المركب المذكور، وكان مبلغا خياليا في نظر أوسع فئات الشعب المهمشة والمحرومة آنذاك.
على سبيل الخلاصة
الكثيرون رأوا في محاكمة الوزراء والموظفين السامين السابقين لسنة 1971 أنها كانت مفروضة بفعل تداعيات داخلية وأخرى خارجية، لكن سرعان ما تبين أنها مجرد لعبة ومسرحية مرت كما تمر السحابة الصيفية.
فقبل نهايتها كانت عائلات الأضناء على شبه يقين أن الأحكام ستكون مخففة وأن ظروف الاحتجاز ستكون خاصة وليست عادية، وأن المدانين سيطلق سراحهم قبل إتمام مدة العقوبات المنطوق بها. وهذا ما كان حيث أن إغلب المعتقلين قضوا فترات قصيرة من عقوباتهم في ظروف جد مريحة، بل منهم من عين على رأس شركات كبرى كسبيل من سبل رد الاعتبار له، علما أن مصالح وثروات وأملاك المدنيين من طرف محكمة العدل الخاصة، بمن فيهم المحكوم عليهم غيابيا، لم يتم المساس بها ولو قيد أنملة، رغم أنه كان من المفروض، على الأقل إرجاع ولو جزء مما تم السطو عليه من أموال الشعب وممتلكاته.
وقد اتضح بجلاء أن كل جهة حاولت استخدام محاكمة سنة 1971 من الزاوية التي تناسبها، فهناك من استغلها لذر الرماد في العيون، وهناك من حاول استغلالها لإحراج النظام، بل لمحاكمته بطريقة غير مباشرة.
كما بينت المحاكمة بوضوح كيف أساء القائمون على الأمور للاقتصاد الوطني الفتي آنذاك، وكيف تم حرمانه من أموال طائلة كان من المفروض استثمارها للمساهمة في إنتاج وإعادة إنتاج ثروات وطنية مضافة والتي من شأنها دعم وترسيخ سيرورة التنمية آنذاك، أو على الأقل ترويجها بالمغرب عوض تهريبها إلى الخارج، علما أن جزءا كبيرا منها عرف طريقه إلى الدولة العبرية، إسرائيل، حيث تم توظيفه هناك في مشاريع منتجة من طرف أقطاب اللوبي اليهودي المغربي الذي ساعد الوزراء والموظفين الكبار السابقين على القيام بجرائمهم الاقتصادية والاجتماعية في حق المغرب والمغاربة.
محمد طارق السباعي رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب
محاكمة حزمة من الوزراء… فرجة للنظام وامتصاص للغضب الشعبي
– إذا ما حاولنا أن ننبش ذاكرة الأحداث التي عرفها المغرب وما تلاها من محاكمة الوزراء سنة 1971، ما هي في نظرك الأسباب التي حركت المتابعة في حق هؤلاء الوزراء؟
+ جاءت محاكمة الوزراء سنة 1971 بعد ما عرف المغرب أحداثا دامية سنة 1965 وبعد محاولة انقلابية وانتفاضات شعبية وتوسع الهوة بين الطبقات وقمع ممنهج لكل المعارضين بهدف نهب الثروات، فقد تزامن القمع والنهب على جميع المستويات منذ إغلاق برلمان 1963، وتم خنق المعارضين بالداخل والخارج وشددت الرقابة على الصحف وارتفعت أصوات ضد الفساد، وكان شعار “من أين لك هذا؟”على كل لسان، فجاءت هذه المحاكمة لتدشن محكمة جديدة لناهبي المال العام وجهت لها انتقادات مطالبة بإلغائها على اعتبار أنها استثنائية ومقيدة بسلطات الحكومة، خاصة الفصل الثامن والذي يعطي فقط لوزير العدل سلطة تحريك المتابعة .
لقد كانت محاكمة حزمة من الوزراء عبارة عن فرجة للنظام وامتصاص للغضب الشعبي، إنها محاكمة موجهة للخارج بالدرجة الأولى للحصول على المزيد من الدعم والقروض .
– إلى أي حد كانت هذه المتابعة فعلية ولم تكن مجرد ذر للرماد في العيون؟
+ لم يكن النظام جادا في إصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بسن قوانين واضحة لمكافحة الفساد والجريمة المالية.
ولقد ارتفعت أصوات للمطالبة بسن قانون التصريح بالممتلكات لأن التقاليد الديمقراطية العريقة هي إثبات النزاهة والشفافية، وهو سلوك يعتمده الفاعلون السياسيون على وجه الخصوص غداة تسلمهم مهام المسؤولية داخل مؤسسات الدولة أو حتى داخل الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية.. كشرط ضروري تقتضيه الممارسة الديمقراطية.
فمنذ بداية الاستقلال تعالت عدة أصوات تطالب بإدخال هذا السلوك (أي التصريح بالممتلكات والكشف عن مصادرها) إلى الممارسة السياسية ببلادنا، ورفع العديد من المعارضين شعار “من أين لك هذا؟”، كتعبير عن ضرورة محاسبة كل المسؤولين عن تدبير الشأن العام، لكنه، مع الأسف، ظل شعارا فارغا من محتواه، ولهذا السبب تأخرت عملية محاسبة مجموعة من الرموز السياسية إلى اليوم، حتى أصبحنا أمام معركة تتبادل فيها الاتهامات حول الإثراء غير المشروع على حساب قضايا سياسية كبرى سواء بالداخل أو الخارج.
فمعيقات المحاسبة والمساءلة يمكن ملامستها عن طريق طبيعة النظام السياسي الذي يعتمد على نظام المكافآت والامتيازات في التعامل مع النخب.
لقد سادت الثقافة السياسية المبنية في جوهرها على الولاءات والمصاهرات العائلية والزبونية والمحسوبية وما شابه ذلك من الممارسات التقليدية التي لها تجلياتها الراسخة في الحياة السياسية اليومية. وافتقدت النخبة السياسية لسلوك المساءلة والمحاسبة، واندمجت مع النظام وتم التطبيع معه مقابل الحصول على بعض المناصب والريع السياسي .
إن لدينا العديد من القوانين التي تضاهي حتى أعتى الدول الديمقراطية لكنها تبقى حبرا على ورق لافتقادنا لحكومة منبثقة من صناديق الاقتراع تكون لها الجرأة على محاسبة كل المسؤولين عن المال العام ومساءلة كل من ظهر عليه ثراء فاحش.
ولذلك فإنني أشاطرك الرأي في أن هذه المحاكمة لم تكن إلا ذرا للرماد في العيون، ولهذا السبب فقد تم العفو عن الوزراء خلال سنة 1973.
– ما هي القطاعات التي مستها هذه المحاكمات، وهل كانت بداية تفعيل قانون “من أين لك هذا؟”؟
+ لقد حوكم وزراء من العيار الثقيل ومنهم وزير المالية السيد مامون الطاهري الذي كانت له سلطات واسعة في صرف المال ومراقبته وبالتالي لم يتضمن الملف الكثير من القضايا الكبرى قياسا بحجم واهمية الوزراء المتابعين.
ولا شك أن هذه المحاكمة مست قطاعات مهمة لكن تم اختزالها في سوء التدبير والتبديد والغدر والاختلاس دون البحث عن جذور الفساد والعمل من أجل استئصاله.
إن القول ببداية تفعيل قانون من أين لك هذا؟ ليس صحيحا لأنه لم يرق إلى قانون بل لم يكن إلا مجرد شعار للاستهلاك لم يتحقق ولن يتحقق إلا إذا صدر قرار سياسي لا رجعة فيه، يعتبر الجرائم الاقتصادية جرائم ضد الإنسانية لا تتقادم ولا يستفيد مقترفوها من أي عفو،
وستلاحظين معي كيف خرج قانون التصريح بالممتلكات عن برلمان 2007، والذي سيبقى غير ذي موضوع وغير ذي جدوى.
إنه قانون معوق ومصاب بعدة أعطاب لأنه بكل بساطة لا يتضمن تصريح الزوجة والأولاد، أسوة بالدول الديمقراطية كاليمن والسودان، ولو طبقنا شعار من أين لك هذا؟ على الوزير إدريس وزوجته وأولاده لوجدنا أن هاذين الأخيرين يملكان أكثر من ولي نعمتهما لما كان وزيرا لأم الوزارات .
– ما دور الأحزاب السياسية في تحريك هذه المتابعات خاصة حزب الاستقلال؟
+ لقد كان لحزب الاستقلال دور في رفع شعار من أين لك هذا؟ وكان للمعارضة اليسارية في الداخل وبالمنفى دورها أيضا في تحريك الانتفاضات الشعبية، لكن المتابعة لم تأت استجابة لمطالب المعارضة بل لامتصاص غضب شعبي عارم كاد يعصف بالنظام.
هذا النظام عوض أن يقوم بمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بسنه لقوانين ضد الرشوة وتخليق الحياة العامة وسن قانون التصريح بالممتلكات لصرنا في مصاف الدول المتقدمة والراقية، لكن النظام قام بإعداد العدة لخنق الحريات للمزيد من نهب الثروات.
أتذكر جازما أن الحسن الثاني قام بالعفو عن المقاوم سعيد بونعيلات رفقة أحمد بنجلون بعد أحداث مولاي بوعزة في إطار الهدنة التي قررها النظام مع المعارضة اليسارية وفي ظروف الإعداد لاسترجاع الساقية الحمراء ووادي الذهب، أذكر انه في نفس اليوم تم إطلاق سراح الوزراء المدانين بمقتضى عفو شامل عليهم، ويعلم الله هل أرجعوا الأموال المنهوبة إلى الخزينة العامة أم لا؟
– هل أزيح الوزراء المسؤولون عن القطاعات التي مستها المحاكمة؟
+ بطبيعة الحال تمت إزاحة الوزراء من مسؤولياتهم لكنهم تركوا قواعد ومراسيم تشرعن لنهب المال العام، أذكر منها قرارا وزاريا لوزير المالية مامون الطاهري يعطي للمخبرين بقطاع الجمارك الحق في ربع الغرامة المحصلة من السلع المهربة كمكافأة، وتصور معي إذا كان المبلغ يفوق المليارين كم سيكون نصيب المخبر الذي لا يعلن عن اسمه والذي لن يكون إلا قريبا من أقرباء المسؤولين الجمركيين.
إن هذا القرار حرر بلغة فولتير ولم نعثر على النص العربي، إنه لازال معمولا به في عهد الوزير الاشتراكي.
– هل تتوفرون على أرقام تتعلق بحجم الاختلاسات التي توبعوا من أجلها؟
+ إن مجموع ما توبع به الوزراء الستة يمكن القول إن ملف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يمثل عشرة أضعاف ما توبع به الوزراء.
إن ماحوكم به الوزراء هو نزر يسير والقليل مما كان يجب الكشف عنه، نظرا لما عرف عليهم من نهب منذ الاستقلال، فالمسكوت عنه يضاهي المعلن، لأن ما تمت معالجته عن طريق الصحف أو القضاء أو ما تم التحقيق فيه لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من المؤسسات التي تعرضت لنهب المال العام …
علينا أن نبحث في الثروات الوطنية المنهوبة عن طريق تشكيل هيئة مستقلة للحقيقة وإرجاع الأموال المنهوبة .
– وماذا عن إشكالية استقلال القضاء في المغرب ؟
+ إن القضاء المستقل دعامة أساسية للحقوق والحريات، فما أحوجنا لقضاء مستقل، به سنحافظ على ثرواتنا وسيمكننا من تفعيل مبدأ عدم الإفلات من العقاب .
حاورته ح – أ
علي فقير، باحث
لا أظن أن هناك رغبة في الإقرار بدولة الحق والقانون
– كانت محاكمة الوزراء والموظفين السامين السابقين سنة 1971 من أجل الرشوة والفساد واستغلال النفوذ واختلاسات أموال الشعب حدثا بارزا لم يسبق له مثيل، هل جاءت هذه المحاكمة رغبة فعلية للتطهير والإصلاح أم لذر الرماد في العيون؟
+ اعتقال بعض الوزراء وبعض كبار موظفي الدولة سنة 1971 لم يكن نتيجة سياسة تطهير أجهزة الدولة من الفساد، لقد كان النظام يعيش في تلك الفترة تناقضات داخلية خطيرة أدت إلى محاولتين انقلابيتين في يونيو 1971 وغشت 1972، كما أن المجتمع كان يعيش صراعا طبقيا حادا: المجموعات الثورية الاتحادية التي تتبنى الكفاح المسلح وظهور الحركة الماركسية اللينينية المغربية التي عم إشعاعها الشباب المغربي في مختلف المناطق، إن هذه الأجواء هي التي دفعت بالنظام المغربي إلى اعتقال بعض التكنوقراط الذين لا يشكلون وزنا سياسيا ولا اقتصاديا ولا اجتماعيا.
– هل فعلا ساهمت تلك المحاكمة في إظهار مدى درجة تغلغل الفساد وتكريس الاختلاس من طرف القائمين على الأمور آنذاك؟
+ طبعا لا، يشكل الفساد والاختلاس والمحسوبية والزبونية، إلى جانب القمع بمختلف أشكاله، ركائز قارة للنظام المغربي منذ قرون.
– آنذاك برز شعار “من أين لك هذا؟”، هل كان من الممكن تفعيله حينئذ؟ وهل هو شعار قابل للتطبيق حاليا، وما هي الجهة المخول لها تفعيله في مغرب اليوم؟
+ إن شعار “من أين لك هذا؟” قد طرح من قبل علال الفاسي وتبناه حزب الاستقلال، لكن يبقى بعيد التفعيل في إطار النظام السائد، وحتى طرح حزب الاستقلال لهذا الشعار كان بمثابة مزايدة كلامية لإحراج الدولة لأن حزب الاستقلال عند مشاركاته المتعددة في الحكومة لم يفعل شيئا للحد من ظاهرة نهب المال العام، ومن المستحيل اليوم تطبيق مثل هذا الشعار لأن جوهر النظام وأسس دولته لم تتغير لا في الفساد ولا في نهب المال العام والزبونية والمحسوبية والرشوة، فقد أصبحت هيكلية أكثر من الماضي، إذ صارت بمثابة سرطان ينخر المجتمع وتبقى الفئات الكادحة والمهمشة أكبر ضحايا هذا الواقع.
– لماذا في نظركم لم يشاهد المغرب مثل محاكمة سنة 1971 رغم التزايد الصاروخي لوتيرة الفساد والاختلاسات منذ ذلك التاريخ؟
+ إن الحكم يحاول إيجاد المسكنات الممكنة والمناسبة لواقع معين، إن للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومتابعة مديري بعض المؤسسات العمومية والتهويل من ظاهرة الإرهاب إلخ، هي أشكال جديدة للتغطية على المشاكل الحقيقية.
– هل تعتقدون أنه من الممكن أن نعاين محاكمات من قبيل محاكمة 1971 لاسيما وأنه يبدو أن هناك رغبة أكيدة في الإقرار بدولة الحق والقانون ودولة المؤسسات؟







