حين ينجح مسؤول عمومي من خدام الدولة في بناء صورة قائمة على الكفاءة والانضباط وحسن التدبير، يصبح مطالبًا بحماية ذلك الرصيد أكثر من السعي إلى توسيعه.

فبعض المكاسب تُبنى في سنوات طويلة، لكنها قد تتآكل في لحظة إذا اختلطت بمنطق الاستقطاب الحزبي الذي أفقد السياسة هيبتها في نظر شريحة واسعة من المواطنين. وإذا كانت الأخبار المتداولة بشأن احتمال التحاق فوزي لقجع بأحد الأحزاب السياسية استعدادًا للاستحقاقات المقبلة لا تزال في حدود ما يتم تداوله إعلاميًا ولم يصدر بشأنها أي تأكيد رسمي، فإن مجرد تداولها يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول العلاقة بين الكفاءة الإدارية والعمل الحزبي في المغرب.
لقد استطاع فوزي لقجع، سواء في تدبير المالية العمومية أو في تطوير كرة القدم الوطنية، أن يصنع لنفسه مكانة خاصة لدى المؤسسة الملكية ولدى جزء مهم من الرأي العام، بفضل صورة المسؤول الذي يشتغل بمنطق النتائج لا بمنطق الشعارات. وهذه المكانة ليست ملكًا لحزب، ولا ينبغي أن تتحول إلى رصيد انتخابي لأي تنظيم سياسي.
المشهد الحزبي المغربي يعيش منذ سنوات أزمة ثقة حقيقية، بعدما ارتبط في أذهان كثير من المواطنين بصراعات المصالح، وضعف النخب، وتراجع الممارسة السياسية عن أداء دورها التأطيري والتنموي. ولهذا فإن انتقال شخصية راكمت رصيدًا من المصداقية إلى هذا الفضاء قد لا يُقرأ باعتباره إضافة للحزب، بل قد يُنظر إليه باعتباره مخاطرة بصورة الرجل نفسه.
إن المغرب لا تنقصه الكفاءات الوطنية، داخل الأحزاب وخارجها، كما يزخر برجال دولة ومسؤولين أثبتوا كفاءتهم ونزاهتهم في مواقع مختلفة. لكن التجربة أثبتت أيضًا أن هناك شخصيات يكون عطاؤها أكبر عندما تحافظ على مسافة واحدة من الجميع، بعيدًا عن الاصطفافات الحزبية التي تُدخل أصحابها في معارك لا تنتهي. ومن هذا المنطلق، فإن المحافظة على الحياد قد تكون الخيار الأكثر حكمة لفوزي لقجع، لأن قيمة المسؤول لا تُقاس بعدد المناصب التي يشغلها، بل بقدرته على صون رصيده المعنوي والحفاظ على ثقة المواطنين فيه. فالنجاح الإداري شيء، والدخول في التجاذبات الانتخابية شيء آخر، ولكل منهما قواعده وأثمانه.
إنها رسالة تنبيه أكثر منها موقفًا ضد العمل السياسي، أعلم أن الأحزاب ركن أساسي في أي نظام ديمقراطي، غير أن واقع الممارسة السياسية يفرض على الشخصيات التي تحظى برصيد وطني كبير كفوزي لقجع أن تحسب خطواتها بدقة، حتى لا تجد نفسها طرفًا في معارك تستنزف ما بنته من سمعة وإنجاز. ويبقى الأمل أن تظل الكفاءة الوطنية فوق الحسابات الضيقة، وأن يستمر كل مسؤول في خدمة الوطن من الموقع الذي يستطيع أن يقدم فيه أفضل ما لديه، لأن الأوطان تحتاج إلى رجال دولة يحافظون على رصيدهم، تمامًا كما يحتاجون إلى مؤسسات سياسية تستعيد ثقة المواطنين قبل البحث عن استقطاب الأسماء اللامعة.








